الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

كيف تفهم داعش قضية الهجرة

  • ثقافة الكراهيّة والتطرّف تنتج خطابا واحدا ينزع نحو الإلغاء والإقصاء، وهو أمر ينطبق على جميع الأفكار العنصرية والمتطرفة، ومهما كانت ديانتها أو عقيدتها. والمقاربة الدينية والسياسية التي ينتهجها تنظيم داعش تجاه مسألة اللاجئين والمهاجرين، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها، تلوي الحقائق من أجل الإقناع بعقيدتها التكفيرية.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/06/02، العدد: 10294، ص(13)]

الإسلاميون يلوون الحقائق ويلتفون على الواقع

منذ بداية تدفق المهاجرين واللاجئين على البلدان الأوروبية، بعد استفحال الأزمة السورية، عملت دولة أبي بكر البغدادي على الالتفاف على معاناة هذه الفئات المقتلعة من أرضها ومحاولة تحويلها لفائدتها، وهو ما يعكس التناقض الفادح في العقلية التكفيرية، ففي الوقت الذي يسعى فيه تنظيم داعش إلى إفراغ مناطق بكاملها من سكانها ودفعهم إلى مغادرة بيوتهم، يقدم خطابا دينيا مصبوغا بتسويغات فقهية حول الهجرة، لجلب هؤلاء اللاجئين والمهجرين إلى المناطق التي يسيطر عليها.

نشر التنظيم العديد من الكتيبات والمطويات لكي تصل إلى أيدي اللاجئين والمهجرين، وفي نفس الوقت إلى المسلمين المقيمين في بلدان الغرب. ومفاد هذه المنشورات أن الإقامة في البلدان الأوروبية محرمة في الشريعة الإسلامية، وأن ليس على المقيم في هذه البلدان إلا أن يخرج منها في أقرب وقت، أو سوف يعدّ كافرا مرتدا، يجوز عليه ما يجوز على المشركين.

بيد أن خطاب التنظيم يقوم في نفس الوقت بالدعاية لدولة الخلافة، عن طريق تقديم هذه الأخيرة بوصفها المثال النموذجي للدولة التي ينبغي على المهجرين واللاجئين الاستيطان فيها، بديلا عن النظم والبلدان “الكافرة”.

وعلى الرغم من الخلافات الفقهية المعروفة في مفاهيم مثل دار الكفر ودار الإسلام، أو دار الحرب ودار السلام، والحيثيات الكثيرة التي يستند إليها الفقهاء في هذه التقسيمات، فإنّ الرؤية السلفية الجهادية المتطرفة لدى التنظيم تقفز على كل هذا التراث الفقهي، والتجديد الذي لحق به خلال العقود الماضية في الفقه الإسلامي الحديث، وتقدم رؤية نمطية واحدة بهدف دعائي له عمق استراتيجي، وهو استقطاب أتباع جدد لتنظيم الدولة يوفر له التوسع من جانب، وموازنة حالة الضعف التي يعيشها من جانب آخر، نتيجة الاستنزاف الذي بات يتخبط فيه في الفترات الأخيرة.

التنظيم يقوم بالدعاية لدولة الخلافة، عن طريق تقديم هذه الأخيرة بوصفها المثال النموذجي للدولة

يوجه هذا الخطاب الداعشي إلى نوعين من المتلقين: النوع الأول هو السوريون المهجرون الفارون من جحيم داعش، والذين يتدفقون على الحدود الأوروبية طلبا للجوء، ويحاول التنظيم استغلال الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها هذه الفئة من أجل إقناعها بجدوى مشروعه غير الإنساني، وتوظيف الإيحاءات الدينية وبعض الأحاديث النبوية وفقرات مقتطعة عن سياقها من كتب الفقه القديمة، لإصابة المكان الحساس لدى هذه الفئة. أمّا النوع الثاني فهو المسلمون المقيمون في البلدان الأوروبية، والأوروبيون الذين اعتنقوا الإسلام، وهدف التنظيم مع هذه الفئة هو إقناعها باستحالة الاندماج في المجتمعات الغربية، وبالاختلاف الديني والثقافي بين المسلمين والأوروبيين، ومن خلال ذلك محاولة إقناعها بأن بقاءها في البلدان الأوروبية مخالف لعقيدتها.

لا يختلف هذا التصور عن أي تصور متطرف آخر، بصرف النظر عن الثقافة أو الديانة التي يصدر عنها، فالأميركي صامويل هنتنغتون لم يقل شيئا آخر في كتابه المعروف”صدام الحضارات”، حين دعا إلى بناء جدار سميك يفصل بين الشعوب على أساس الانتماء الثقافي والديني، وذلك لأن ثقافة الكراهية تعد خزانا لا ينضب من الأفكار المشوّهة والتصورات الانقسامية التي يمكنها أن تغذي الحروب وتحد من التواصل البشري على أساس القيم المشتركة.

من بين المفارقات الكبرى لدى أصحاب هذا الخطاب ـ علما بأنه موجود خارج تنظيم داعش أيضا ـ أنّ الكثيرين منهم عاشوا في البلدان الأوروبية واستفادوا من الإمكانيات التي وفرتها لهم، ومن مناخ الحريات التي لا يوجد عُشرها في بلادهم، وعلى رأس تلك الحريات حرية التدين والرأي، وهي الحرية التي جعلت الكثيرين من المتطرفين يكتبون ويتكلمون من داخل المجتمعات الغربية دون أن يتعرض لهم أحد في الماضي، ومع ذلك يصرّون على أن يضعوا الغرب كله في سلة واحدة، مثلما يضعون المسلمين كلهم في سلة واحدة، وهو خطأ في الفهم واعوجاج في الرؤية..

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر