الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

راشد بحصلي يقطع مع ما سبق ليجسد اللبناني الخانع

  • "ماورائية الواقع" هو عنوان المعرض الذي أقامه الفنان اللبناني راشد بحصلي مؤخرا في صالة "جنين ربيز" البيروتية، يشمل المعرض ما يقارب 25 عملا فنيا يمكن وضعها في خانتين مختلفتين؛ الأولى تضم أربع لوحات بالحجم الكبير. لوحات مشغولة بمادة الأكريليك، ولكن بتقنية الأكواريل التي برع فيها الفنان، نعثر فيها وإن بشكل خاطف على اهتمام الفنان المعهود بالطبيعة الصامتة، أما المجموعة الثانية، فهي مشغولة بالحبر الصيني والقلم والألوان المائية وتصور وجوها بشرية لا تخلو من الغرابة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/06/03، العدد: 10295، ص(17)]

عالم موغل في الترميز والإشارات

بيروت - ماورائيات التشكيلي اللبناني راشد بحصلي التي يعرضها حاليا في صالة "جنين ربيز” البيروتية، هي عبارة عن أعمال فنية غير منسجمة مع بعضها البعض بالرغم من تقنيتها العالية جدا، وإن جمعها الفنان تحت سقف صالة واحدة وتحت عنوان واحد، لكنها، أي الأعمال، تخلق في تنافرها الشديد مزاجا واحدا يستقبل زائر المعرض لدى دخوله إلى الصالة بمثل هذه الكلمات: راشد بحصلي، فيزيائي الأشياء والكائنات، يرسم اليوم الأشكال عن بعد عاطفي، هي في مكان وهو في مكان آخر.

ثمة برودة هائلة في الأعمال المعروضة بالرغم من فنيتها وتقنيتها العالية التي اشتهر بها الفنان، صحيح أن أعماله الفنية السابقة لم تكن تتصف بالشعرية أو الغنائية، ولكنها كانت مشغولة بشغف شديد.

أعمال كان يقدح فيها ضوء باطنيّ، فيحوله الفنان إلى خطوط مرتصّة أو أشكال متفلّتة تشكل الحضور في المكان المناسب من اللوحة. يبدو هذا الشغف مفقودا في الأعمال الجديدة، ربما لأن شيئا آخر حلّ مكان هذا الشغف في نفس الفنان، قد لا يقل أهمية أو خصوبة عمّا سبق، وربما لأن “الدنيا” باتت في عين الفنان عبارة عن مجموعة من شذرات غير متلاحمة يغيب فيها التجاور الصحي والتناغم بين الأفراد. هناك شبه تخلّ عما يُمسك بالقلب ليجعله المحرك الأقوى لمعظم الأعمال.

ماورائيات متنافرة

مضى على غياب الفنان راشد بحصلي عن الساحة الفنية ما يقارب الاثنتي عشرة سنة، لا يعني ذلك بأنه توقف عن الممارسة الفنية أثناء تلك السنوات، بقدر ما يشير إلى أثر تحولات شخصية عاشها الفنان قبل أن يعود إلى العرض.

عاد إلى العرض بعد أن ساهمت تلك التحولات الشخصية في إعادة تشكيل نصه الفني بشكل مغاير عمّا عرفه الوسط الفني عنه، لكن الفنان حافظ في جميع الأعمال المعروضة على دقته الهائلة في التصوير وعلى نقاء ريشته منقطع النظير.

قدم الفنان في معارضه السابقة مجموعة أعمال ذات واقعية صارخة جسّد فيها عناصر مستقاة من الطبيعة اللبنانية، ولوحات عن سفن وزوارق بالغة الروعة وغيرها من الأشياء التي تتطلب تقنية عالية جدا ونظرة ثاقبة ومُنقشعة كنظرته الخاصة إلى الأشياء.

راشد بحصلي: أرسم وجوها من التراث اللبناني، ولكنها وجوه متعبة، إنها رؤوس من صخر

بعد كل هذا الرصد والتصوير الواقعيين المتميزين بخصوصية واضحة، انحاز الفنان في معرضه الجديد إلى عالم الترميز والإشارات. استحضر، كعادته، إلى لوحته أشياء عادية، لكن ليس لكي يلفت النظر، بأسلوبه الخاص جدا، إلى سحرها، بل ليدفع بها عنوة إلى عالم الترميز الذي ربما لم يكن مناسبا لها بشكل كبير، نقصد هنا الأعمال المشغولة بالأكريليك وتحمل هذه العناوين المُنتقاة بدراية كبيرة “الحلم بالحرية” و”اللغة الخشبية” و”الهروب إلى الأمام”.

كائنات تشبه البصل

في المعرض يعثر الزائر على مجموعة ثانية من الأعمال تختلف بشكل كلي عن غيرها من الأعمال.

كائنات تكاد أن تكون مُتحركة، وكأن الفنان عكف على رسمها وهو في حالة غياب أو تأمل عميق، كائنات بشرية تتقشر كالبصل أمام عين المُشاهد، تعيد تشكيل ذاتها وفق نظرة المُشاهد إليها، لكنها في نهايتها الحتمية تفرج عن نظرات تائهة مشغولة بالأبيض والأسود بأسلوب غرافيكي بارز.

ليس بالإمكان تحديد مشاعر هذه الكائنات البشرية أو حتى مستوى الإدراك الذي تتمتع به، حرص الفنان على إعطاء هذه الشخصيات أسماء مختلفة تشير بشكل مفصّل إلى هويتها وإلى أيّ منطقة لبنانية تنتمي، من تلك اللوحات نذكر هذه العناوين “طانيوس”، و”أبوبلال”.

يقول الفنان في إحدى المقابلات إن تلك الشخصيات تمثل اللبناني اليوم “رسمت هذه البورتريهات خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان سنة 2006، هذه الوجوه موجودة في لبنان، لم أرها مباشرة، ولكنها انبثقت من ذاكرتي، إنها وجوه من التراث اللبناني، ولكنها وجوه مُتعبة.. إنها رؤوس من صخر”.

ويضيف الفنان في مقابلة أخرى أن هذه الوجوه هي لشخصية أطلق عليها اسم “المواطن الأليف”، ويضيف قائلا “هو مواطن راضخ لحال أمره السيء، همّه أن يأكل ويشرب ويستمر بالعيش”. هذا واضح تماما في ملامح شخصيات الفنان، وتضاف إليها مسحة مرعبة قد يكون مرجعها هذا التشنج الهادىء الذي يسكن تلافيفها.

قد تكون أهمية هذا المعرض، بالنسبة إلى فنان قدير كالفنان راشد بحصلي، في مفصليته، معرض برزت فيه تحولات هي قيد التبلور وربما الظهور في معرض لاحق، لا شك أن حيوية الفنان قادرة على تلقف هكذا نوع هائل من التحولات الفنية، فيها الكثير من القطع مع ما سبق.

ربما سيكمل الفنان مسيرة التحولات الجمّة هذه، ولكن بعد أن يقيم الصلة بما سبق وتألّق فيه، وهو ما غاب بشكل شبه تام عن معرضه الحاليّ.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر