الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

زهرة المتروك تترك توابيتها لترسم أعشاشا مهجورة طلبا للجوء

  • العالم يتمظهر لدى الفنانين وفق نظرتهم له، منهم من لا يرى فيه سوى البدايات، ومنهم من لا يرى سوى نهاياته، ومنهم من يرى ما قرّر رؤيته، وبعضهم يرى فيه ما قرّر عدم رؤيته. ومع هذه النظرة تقوم أعمالهم متشكّلة بخيالات مبتكرة تسهم في تعميق نظراتهم المتفائلة أو المتشائمة للعالم.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/06/03، العدد: 10295، ص(17)]

العالم ليس كما يبدو دائما

تذهب التشكيلية السعودية زهرة المتروك في تجربتها إلى حالات مركبة من التشاؤم الكبير، ويجد المتابع ذلك واضحا في معارضها الشخصية منذ 2010، حين قدّمت أول معرض حاملا عنوان “جدتي مريم”، واختارت ساعتها أن تضع جميع أعمالها في توابيت بدل أن تسكنها على جدران صالة الجدران، واستثنت من تجربتها عملين، علّقت واحدا منهما على الجدار، والثاني كان اشتغالا مفاهيميا فوق حصير قديم يستخدم عادة للفّ جثث الموتى قبل دفنهم.

تقول المتروك عن تجربة (جدتي مريم) “بعد وفاة جدتي مريم بدأت أنتشل ما تبقى من عبقها، تجسد لوحاتي شخصيات نساء حقيقيات عشن وعانين مع جدتي بناتها، حفيداتها، صديقاتها، ومنها قمت بإبراز هوية كل امرأة في بيت جدتي من الكاريزما الحادة لدى القليلات إلى ضعف الشخصية والانقيادية لمعظم النساء، حيث مثلت المرأة بلا فم أو عين أو بلا ملامح كناية عن شدة النقص في ذلك الزمان”.

في 2011، قدّمت معرضها الشخصي الثاني في صالة “أرامكو للفنون” محاولة أن تلوّن مصائر العالم ببعض الأمل، حيث أطلقت على معرضها “أرض خضراء”، لكن أعمالها بقيت تتساءل عن مصير هذا الاخضرار، وعن مآلاته التي غالبا ما تؤول إلى الفناء والسوداوية.

في شهر أبريل الماضي انتقلت المتروك بمعرضها الشخصي الثالث “كذبة أبريل”، الذي عملت عليه منذ 2014 -ومازالت- من “مشق آرت سبيس” في مملكة البحرين إلى غاليري “تراث الصحراء” بالخبر (شرق السعودية) مستلهمة من حياة الناس موضوعاتها التي قدّمتها من خلال 21 عملا، فجعلت من الإنسان بمختلف طبقاته الاجتماعية مادتها الأساسية، فعاينته معدما وبسيطا وأرستقراطيا، ومع لوحاتها يذهب المتلقي في تأويلاته إلى مناطق أكثر عمقا من التوصيف الاجتماعي إلى التوصيف الوجودي والفلسفي للإنسان الضائع في وطنه.

حاولت المتروك أن توظف فكرة الهجرة والهروب من الوطن عبر الطيور وأعشاشها المهجورة، مشيرة إلى بيوت البشر الذين يشبهون الطيور في حقهم بالطيران وبالتحليق وبالهجرة إلى البلدان التي يشعرون أنها تنتمي لهم وينتمون لها، لكنهم في الحقيقة لا يستطيعون أن يكونوا طيورا، فهنالك حدود إقليمية وجوازات سفر، ومعوقات سياسية وقانونية، ممّا يجعل الإنسان يتحوّل شيئا فشيئا، حسب المتروك، إلى طير مقيّد مقصوص الأجنحة، يأمل في حقه بالطيران، لكنه لا يستطيع.

الفنانة المتروك لعبت بمهارة على فكرة الضوء والظلام في معرض “كذبة أبريل” لتقترح على المتلقي أن ما يشاهده في الضوء ربما لا يكون حقيقيا، فبمجرد أن يتحوّل المشهد (ساحة المعرض) إلى ظلام فإن المتلقي سيرى شيئا آخر في اللوحات، وكأن المتروك أرادت بهذه التقنية أن تقول “العالم ليس كما يبدو”.

زهرة المتروك: الأرض في النهاية ملك للإنسان ولا يحق لأحد منعه عنها

إنها الحقيقة التي لا يمكن أن تنقلها للآخرين، كما عبّرت عن ذلك الحركة السفسطائية اليونانية قديما، حين اعتبرت بأنه لا وجود لحقيقة كونية، وعلى فرض وجودها فإننا لا نستطيع معرفتها، وعلى فرض استطعنا معرفتها، فإننا لن نستطيع أن ننقل هذه المعرفة للآخرين، إن الحقيقة الإنسانية المختصة بالوطن مجرد كذبة، تشبه كذبة أبريل.

تقول المتروك لـ”العرب” “المعرض يتحدث عن الهجرة واللجوء اللذين لا يحتاجهما الإنسان في حقيقته أثناء رغبته في الانتقال من أرض إلى أرض، فالأرض في النهاية ملك للإنسان ولا يحق لأحد منعه عنها، فلكل بلد عيوبه وامتيازاته، وعلى الإنسان أن يبحث عمّا ينتمي له”.

زهرة المتروك تساءلت من خلال أعمالها كيف يستطيع الإنسان أن يتعايش مع البلد الذي لا يتناسب مع ثقافته وحلمه، فتجيب “لقد أشرت إلى هذه الفكرة بأعشاش مهجورة في الضوء، لكنها موجودة كتكوين بصري، وبأعشاش مختفية في الظلام، فحين تعيش حقيقة معينة يصعب أن تنقلها للآخرين، وأحيانا يستحيل نقلها إلاّ بمعايشة الحقيقة نفسها، فالشمس لا تظهر الحقيقة، وإنما التعايش مع الحياة، هو من يظهرها”.

وذكرت الفنانة التشكيلية السعودية زهرة المتروك لـ”العرب” أن الأعمال التي تم تنفيذها في “كذبة أبريل” استخدمت فيها خامة الأكريليك على الكانفاس، وبعض اللوحات احتوت على طين وحبيبات من مواد مختلفة وبعض الشعرات من شعر رأسها وريش الحمام.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر