الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الديك عين الواقع

اللوحة كلها مفارقات مُمتعة، بداية بخلفية اللوحة المُراد منها أن تبدو جدارا منيعا في غرفة ما، إذ تظهر وكأنها حصيلة محروقات متراكمة: دخان تكثّف ليصير جدارا، لا نعرف تماما متى يهوي؟

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/06/03، العدد: 10295، ص(17)]

بعد أن تميزت بدايته الفنية باعتماده الأسلوب الواقعي، مال الفنان التشكيلي السوري معتزّ البشار إلى الفن التجريدي، إذ قال عنه إنه “عين الواقع وأصله”، كما اعتبره مُلهما لأبحاثه المتعلقة بالإمكانيات التعبيرية للون ولدور الفراغ في اللوحة.

ومع ذلك، فالناظر إلى معظم لوحاته سيكتشف أن الكثير من لوحاته التجريدية وقعت في فخّ التكرار والضياع في متاهة لون عجز عن تلبية متطلبات الفنان.

هناك لوحة واحدة لمعتز البشار، هي بألف لوحة، إذا جاز التعبير، إذ تدل على وجود نص باطني، وربما غير مقصود طالما سعى إليه الفنان، كما تُشير إلى بهلوانية اللون وغموض الفراغ حتى وهو واضح المعالم ومُجسد بجدار رمادي اللون تخترقه نافذة صغيرة دخل منها نور الصباح المرافق لحضور الديك.

اللوحة كلها مفارقات مُمتعة، بداية بخلفية اللوحة المُراد منها أن تبدو جدارا منيعا في غرفة ما، إذ تظهر وكأنها حصيلة محروقات متراكمة: دخان تكثّف ليصير جدارا، لا نعرف تماما متى يهوي؟

وهذه اللوحة تلبّي أيضا من حاجات الفنان التجريدية دون أن تكون لوحة تجريدية، إنما تحمل روح التجريد على النحو الذي حلم به الفنان.

لا تكمن المفارقة فحسب في كون اللوحة لا تنتمي إلى الفن التجريدي، بل حتى أن عنوانها هو توصيف مباشر لما يحدث في اللوحة، “كل ديك على برميله صيّاح”.

في اللوحة ديك غير عنجهيّ، ولكن يعرف كيف يقيم التوازن ما بين صمته الباهت وهيمنته الفطرية على كافة مرافق اللوحة، ولكن يبدو من نظرته الجانبية أنه غير مُكترث لا بسطوته على كافة المشهد المرسوم، ولا بضوء النهار القادم من النافذة.

عنوان اللوحة يحمل طرافة وتحايلا مقصودا من قبل الفنان، فقد بدّل الفنان القول الشعبي من “كل ديك على مزبلته صيّاح” إلى “على برميله صّياح”. وكيف لا يفعل ذلك والبرميل يشعّ بحمرة تضاهي على السواء ضوء الصباح ولون الديك مُعكر المزاج لسبب يجهله هو، ونجهله نحن أيضا كمشاهدين.

أما “البهلوانية” اللونية التي تميزت بها اللوحة فبوسعي التأكيد عليها بعدما قمت بتجربة “فنية” على عدد من الأصدقاء، فقد أريتهم صورة عن اللوحة بشكل سريع وفي يوم التالي سألتهم عن ماهية لون الديك والبرميل.

قد يكون الدولاب، المُهمل والمرميّ عند أسفل البرميل، فيه شيء من السحريّة مكّنته من قلب توزيع الألوان في اللوحة رأسا على عقب في ذاكرة من شاهد اللوحة بشكل خاطف، إذ أجاب الأصدقاء أن لون البرميل أسود، أما الديك فلونه أحمر صارخ.

لا شك أن رمزية الديك في المخزون الثقافي، على الأقل ذلك الخاص بالمنطقة العربية، كفيلة بأن تحيل إلى ديك اللوحة، الحمرة الباهرة والحضور الأقوى بالرغم من كونه مجرد ديك كئيب ومنتفخ الجفنين، فالديك إلى جانب كونه يرمز إلى الإنذار بالخطر، وانقضاء مهلة السماح، والغرور والكبرياء، فهو يرمز أيضا إلى الشمس والأمل، والحياة.

أمام كل هذه الإيحالات الرمزية القوية يخمد لون البرميل، ويٌهمّش حضوره في الذكرى.

من الصعب جدا النظر إلى هذه اللوحة على أنها مجرد تصوير لمشهد عاديّ، فالمشهد فيه الكثير من التصميم المسرحي ومن الإضاءة المسرحية التي أعلت من شأن ديك تافه، ومتوسط الحجم، إضاءة اصطناعية يقابلها ضوء طفيف، ولكن طبيعي قادم من النافذة الخلفية.

أما النص الباطني “المعاصر” الذي قد تحمله هذه اللوحة، فهو مجسد تماما بهيئة بطل اللوحة: ديك أسوده شاحب يقف على طرف البرميل، ربما استعدادا للهرب أو قاب قوسين أو أدنى من أن يقع من السأم عن برميله/الكنز. البرميل الأحمر المتوهج والموكل للديك جورا، حمايته من المغرضين.

ديك الفنان التشكيلي معتز البشار، هو فعلا ديك تجريدي وتراجيدي على السواء، إنه عين الواقع، أصله وفصله.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر