الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

البوليساريو وليلة رحيل 'الزعيم'

عبدالعزيز حمل السلاح ضد المغرب في السبعينات، ووسط اللهجات الثورية التي كانت سائدة في تلك الفترة اعتقد أنه لن يحصل على الصحراء فحسب، بل سيقوض النظام في المغرب.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/06/04، العدد: 10296، ص(9)]

عاش الخليلي بن محمد البشير الركيبي فترات طويلة على حلم صغير، هو أن يأتي ذلك اليوم الذي يرى فيه ابنه قريبا منه في نفس الوطن الذي ولد ونشأ الاثنان فيه، لكن الابن فضل دائما أن يخوض المغامرة إلى النهاية في رمال الصحراء، حاملا معه حلما مختلفا عن حلم والده: أن يرى ذات يوم تلك الصحراء قد تحولت إلى دولة وصار زعيمها.

الخليلي هو والد زعيم جبهة البوليساريو محمد عبدالعزيز، الذي رحل مؤخرا عن ثمانية وستين عاما، قضى جلها معلقا بين وطنه وبين حلم مهزوم، أما قصة الأب والابن فهي شبيهة بقصص الروايات الأكثر غرابة في الأدب العالمي الحديث، حيث يتقمص البطل دورا فوق قدرته على الفعل فيتحول في منتصف الرواية إلى بطل مأساوي، ثم ما يلبث في آخر النص أن يفقد علاقته مع شخصيات الرواية ويموت وحيدا.

وفاة زعيم البوليساريو تعني الكثير بالنسبة إلى الجبهة، في هذا الظرف الإقليمي والدولي المتغير. فالرجل كان يتوفر داخل الجبهة على سلطة مركزية، قوامها النفوذ الحديدي الذي كان يطبع سلوكه تجاه الحلقة الضيقة المحيطة به والصحراويين المتغربين، الذين كانت الجبهة تقدم لهم بديلا وهميا للانتماء إلى وطن، شريطة البقاء في وضع معلق بين المغرب والجزائر بانتظار الذي لا يأتي. وقد استطاع محمد عبدالعزيز، طيلة العقود الأربعة التي قاد خلالها الجبهة بيد من الفولاذ، أن يصبح رمزا للجبهة نفسها، حتى إنه كان يغطي عليها بحضوره الطاغي، وسياساته الانفرادية، إذ كان هو نفسه الجبهة، بينما لم يكن الآخرون يظهرون إلا في مناسبات نادرة، مثل المفاوضات الماراثونية مع المغرب تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة، لكي يختفوا بعد ذلك، حين يبلغون الرسالة التي كُلفوا بحملها.

بيد أن عبدالعزيز نفسه كان صاحب مهمة، والخلاف الوحيد هو أنه كان يتحمل المهمة الأكبر، وهي تمثيل الدور الأول في تمثيلية سياسية ذات طابع درامي كتبت في الجزائر العاصمة. فقد خاض صراعا طويلا لتحقيق حلمه باستقلال الصحراء عن المغرب، لكن مشكلته الحقيقية لم تكن في الواقع استقلال الصحراء عن المغرب بل تبعية الجبهة للجزائر. وبالرغم مما كان يبدو على السطح من تناغم بين الطرفين، إلا أن الجزائر برهنت مرات عدة على أنها صانع اللعبة الحقيقي الذي يمكنه سحبها في أي وقت، وهذا ما حصل على سبيل المثال عام 2005 حين اقترح عبدالعزيز بوتفليقة على الوسيط الأممي آنذاك، جيمس بيكر، تقسيم الصحراء بين المغرب والجزائر لإنهاء الملف، وقتها اختفت البوليساريو وراء الستار ولم يسمع أحد حتى كلمة غاضبة من القيادة العليا للجبهة، لكن رفض المغرب للمقترح فرض على الجزائر إعادة تنشيط اللعبة من جديد.

حمل عبدالعزيز السلاح ضد المغرب في بداية السبعينات، في ظروف دولية كانت تتميز بالتقاطب الحاد بين معسكرين؛ ووسط اللهجات الثورية التي كانت سائدة في تلك الفترة اعتقد عبدالعزيز أنه لن يحصل على الصحراء فحسب بل سيقوض النظام في المغرب. وكان يمكن للموضوع أن يقف عند ذلك الحد وينتهي الأمر باختفاء الجبهة تدريجيا بعد الهزائم العسكرية التي تلقتها من الجيش المغربي، إلا أن الدعم الجزائري والليبي لها في مؤتمر منظمة الوحدة الأفريقية عام 1982، التي اعترفت بها رسميا كعضو فيها، وخروج المغرب من المنظمة احتجاجا من دون رجعة، منحاها حضورا دبلوماسيا على الساحة الأفريقية وأبقيا على اسمها قيد التداول، لكي تتحول طرفا في نزاع غير موجود على الأرض، بعدما كانت مجرد جماعة مسلحة تقاتل ضد المشروعية.

بيد أن جبهة البوليساريو فقدت الكثير من وزنها طيلة العقود الماضية، فقد غادرها الكثيرون من المؤسسين ومن وجوه الصف الأول، بعد أن تبين لهم أن الجبهة ليست سوى واجهة للمشروع الجزائري في المنطقة، وأن خيار الانفصال عن المغرب وراءه سياسة للانتقام مغلفة بدعاوى الحقوق التاريخية التي لا يوجد ما يسندها. وقال لي البشير الدخيل – وهو واحد من النخبة الأولى التي أشرفت على تأسيس البوليساريو عام 1973 وصاحب هذا الاسم نفسه، الذي وضع أصلا باللغة الفرنسية ثم نقل إلى الحروف العربية، قبل أن يختار دخول المغرب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني – إن الجبهة تحولت إلى إرث شخصي لمحمد عبدالعزيز، وأن هذا الأخير، وكان هذا الكلام قبل سنوات، يدرك أن ما يسعى إليه سوف يتعبه دون أن يحصل عليه، لكن الخيار الوحيد الذي لديه هو الهروب إلى الأمام، لأنه وصل إلى نقطة اللاعودة.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر