السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

براءة شيعة العراق من اللعبة الداعشية الإيرانية

داعش لعبة تقود إلى سحق طائفة مهمة في التاريخين العربي والعراقي ضمن منظومة التوصيف الطائفي، الإيرانيون لا يعادون داعش إلا بمقدار ما يشكلون تهديدا لأمنهم من داخل الحدود العراقية.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/06/07، العدد: 10299، ص(8)]

لا شك أن هناك حساسية مفرطة في الإعلام السياسي الشيعي ضد كل ما هو سني داخليا أو خارجيا، وهذه الحساسية الطائفية نابعة من تقديرات غير عراقية أساسها الاختلاف والصراع الإقليمي الشيعي السني، وهي قصة يدفع العراقيون ثمنها جميعا مثلما يدفع العرب السنة ثمن لعبة داعش مع أنهم ضحاياها الوحيدون في العراق وسوريا. داعش لم يؤذ الإيرانيين والأميركيين، ولكي لا يكون العراقيون ضحية هذه اللعبة ولحماية هذا البلد من تلك المصالح الإقليمية المتضاربة في بعض المواقف، فلا بد لهم من أن يظهروا للعالم بأنهم صوت واحد وقلب واحد والضرر يصيبهم جميعا، وهم شيعة وسنة براء من هؤلاء السياسيين الطائفيين ومن داعش.

أولى حلقات انكشاف اللعبة هي تدخل إيران السافر وهيمنتها على سياقات المعركة ضد داعش، وحرصها على عدم انفراط تلك القيادة عنها من أجل حماية مشروعها التوسعي، فتحت شعارات حماية المراكز الشيعية وهي أرض عراقية وأئمتها من أهل البيت المحمدي العربي الطاهرين يقود الإيرانيون المعارك في المقدادية وتكريت واليوم في الفلوجة، وغدا في الموصل، ليس لعيون أهل العراق، وإيران ليست حريصة على هزيمة داعش في العراق، لكي ترمي بثقل أدواتها وقادة حرسها الذين سوقتهم لكل من سوريا والعراق ومن أبرزهم قاسم سليماني الذي أصبح الرمز القيادي الشيعي المنقذ للعراق، وهو بحقيقته “قائد إيراني متعصب لقوميته قبل أن يكون شيعيا”. صحيح أنه يتحرك بين العراقيين بهذه الوصفة الجاهزة ذات المذاق الحلو عند المغررين بهم من الشيعة، لكنه قبل ذلك منحاز لإيرانيته وأنا أحترمه كقائد لبلده يتصرف بما يوحيه إليه خامئني (نائب الإمام) وما توحيه إليه قوميته الإيرانية ومصالح بلده، ولكن الكثير من المأجورين في العراق يتحدثون عنه كمنقذ للعراق بعد أن غاب المنقذون والمحررون لبلدهم، وهي إهانة لم يتلق العراقيون عبر تاريخهم القريب مثيلا لها، وكأن ثورة العشرين وقادتها من الشيعة والسنة قد غابت عن التاريخ النضالي ضد الاحتلال البريطاني في القرن الماضي وقد غيبت عن الحاضر، لأن ذلك يقود إلى التمسك بالعراقية والوطنية وهو أمر غير مسموح به الآن، ما مسموح به أن قاسم سليماني منقذ لا يمكن المساس بدوره في العراق إلا من قبل الداعشيين، وإيران حين تقود المعركة ضد داعش في العراق هل لأن هذا التنظيم الارهابي عدوها، بل لأنها تخاف أن يقيم دولة “سنية” على أطراف حدودها حسبما تقول، ويشكل خطرا على أمنها القومي، وإذا كان الأمر كذلك فما علاقة العراقيين بكل هذه القضية.

العراقيون داهمتهم موجة من الإرهابيين القتلة، وهم يكملون دورا آخر لبعض الميليشيات المرتبطة بإيران لذبح العرب السنة في ساحات المعارك فلا حاجة لمعتقلات وسجون تكلف حكومة حيدر العبادي مبالغ للحراس والموظفين، بل تتم مسرحية الذبح حيث يختلط الحابل بالنابل، ولا تعرف هوية الداعشيين الحقيقيين عن غيرهم من الأبرياء تحت هتافات “لبيك يا حسين ولبيك يا زينب” وينقضي أمر هؤلاء الداعشيين أهل الفلوجة ويتحولون حسب التلقينات إلى “نسوان” تحت ضرب العصا قبل أن ينقض عليهم جموع “المحتشدين” وهو عنوان أهان الشيعة العرب في العراق، وليصبح كل صاحب غيرة يرفع صوته لإيقاف هذه المجازر “داعشيا”.

اللعبة اليوم أخطر مما كانت عليه قبل 13 عاما حين كان الاحتلال ساذجا في ترتيباته العسكرية اليومية، حيث كان يعتقد بأن قتله المزيد من العرب السنة المقاومين له وخصوصا في الفلوجة، سيحافظ على مكانته ومكانة من والاه من الطائفيين العرب السنة والذين كانوا سذجا لدرجة السخرية، ففي تاريخ العالم الإنساني لا يمكن الرهان على المحتل في عملية بناء نظام سياسي وطني مستقر، مثال ذلك الثورة الفرنسية وحكومة فيشي الفرنسية العميلة للمحتل الهتلري، حيث انتهت بنهاية ذلك الاحتلال وتمت محاكمة قادتها وعملائها، هذا هو قانون الاحتلالات والمقاومات في العالم فهل يستثنى العراق ولماذا اعتبر مقاومو الاحتلال الأميركي من 2003 إلى 2011 إرهابيين خاصة حين يكونون من العرب السنة.

كان المطلوب بعد عام 2003 جعل الاصطفافات السياسية طائفية، وإلصاق جميع التوصيفات المشبوهة ضد العرب السنة، ولهذا لم يكن من الصدفة تغييب وتخوين وتجاهل كل من قاوم الاحتلال من العرب السنة، والأمر لا يتوقف عند ذلك فحتى المثقفون والكتاب والإعلاميون الوطنيون المستقلون الذين يضعون هذه المعادلة في قراءاتهم السياسية يُلامون ويوصفون بعدم الواقعية إن لم يوصفوا بالداعشية، أما أولئك الذين يسوقون اليوم مشاريع وهمية باسم الليبرالية ولا يضعون “الاحتلال الأميركي” كمقياس للمقارنة الوطنية، ويسعون إلى ابتلاع هذه الحقيقة التاريخية ويسوقون لإحياء العملية السياسية بتبريرات تخدم طموحاتهم الفردية، فهؤلاء لن تكون لهم بصمة في صناعة مستقبل العراق السياسي.

ما يحصل اليوم هو لعبة مصالح إيرانية أميركية ضحيتها العراقيون سنة وشيعة، يوظف فيها داعش وهو ليس بعيدا عن اللعبة الخطيرة. مثال بسيط على هذه الحقيقة أن داعش لم يرغب في احتلال بغداد عام 2014 وكانت الفرصة متاحة أمامه باعتراف الكثير من الجهات الاستخبارية والسياسية الأميركية، وقد استنفر الأميركان في تلك الساعات التي تلت اجتياح الموصل، وقيل الكثير عن عمليات أميركية احترازية طبقت حول مطار بغداد الدولي. يحاول الإعلام الإيراني تسويق هذه الحقيقة لمصلحة هيمنته على الوضع العراقي الحالي، لكي يقول للعراقيين “لولانا لكنتم اليوم تحت حكم الخلافة الداعشية”، لكن داعش لم يكن يرغب في الهيمنة على السلطة في بغداد أو التسلل إلى كربلاء، لأنه يريد تخريب المحافظات العربية السنية باحتلاله لها وقتل أهلها.

داعش لعبة غير تقليدية تقود إلى سحق طائفة مهمة في التاريخين العربي والعراقي ضمن منظومة التوصيف الطائفي، الإيرانيون لا يعادون داعش إلا بمقدار ما يشكلون تهديدا لأمنهم من داخل الحدود العراقية امتدادا إلى المقدادية وديالى، والوقائع تشير إلى أنهم لم يشكلوا تهديدا لإيران أو لمصالحها في العراق، فلماذا الانزعاج؟ المهم إحكام الربط بين داعش والعرب السنة، لأن قسما كبيرا من الجسم التنظيمي لهذا التنظيم الإرهابي هو من العرب السنة لأسباب معروفة منها قوانين الاجتثاث والإهانة. العقلاء من أبناء الشيعة العرب في العراق رغم أنهم مقموعون من الأحزاب الطائفية لكن أصواتهم مهمة لأنهم يمتلكون غيرة على أبناء وطنهم العراق، وليسوا أولئك الطائفيين غير المحبين للعراق، نقول لهم: صوتكم مهم لوحدة أهل العراق ضد الدخلاء ومواليهم، ولا تنخدعوا باللعبة المسوقة بأن الشباب العربي السني هم “داعشيون” ويجب سوقهم إلى الموت أو الاعتقال والتغييب، خصوصا في ساعات تحرير المدن العربية السنية من الاحتلال الداعشي مثلما يحصل اليوم على هامش تحرير الفلوجة وغدا الموصل. نقول لهم لأنهم أهل العراق الحقيقيين: لا تسمحوا بتنفيذ مخططات تدمير إخوتكم وأبنائكم، وافضحوا دعوات الفرقة الطائفية أيا كان مصدرها وخصوصا عند المنتفعين السياسيين من الشيعة والسنة.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر