الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

دلالة محمد علي كلاي.. من شاء فليلحد

جوهر الدين كشأن شخصي، يبلغه الناس بالفطرة والتسامح الإنساني، أو بالوعي العام في ظل دولة ليس من مهامها أن تسوق الناس إلى الجنة، عبر بوابة أي دين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/06/07، العدد: 10299، ص(9)]

عشية وفاة محمد علي كلاي أصدرت الجماعة الإسلامية فتوى تستنكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأذان، لأنها “بدعة غير مشروعة.. العبادة لا يجوز لنا أن نزيد فيها”.

فتوى تدل على أن مفتي الجماعة عبدالآخر حماد الغنيمي الذي يحمل لقب “الشيخ الدكتور” من كارهي البشر، غير العارفين برحمة الله، وطبائع المصريين في استئناس الأديان، وأنسنة الآلهة قبل الرسالات السماوية، وربما بعدها.

في قريتنا كنت أسمع سيدة تشكر الله، وترفع يديها إلى السماء وتناجيه “لو طُـلْـتك لأبوسك يا رب”. لم يتهمها أحد بشيء، ولا هي استفتت إلا قلبها، في نسغ للإيمان بحب الدنيا. وكان أعلام الموسيقى والغناء من حفظة القرآن وقارئيه البارزين، فالشيخ علي محمود الملقب بمنشـد مصر الأول كـان قارئ القرآن الأساسي بمسجد الحسين، ومن مظاهر عبقريته، التي يسجلها المؤرخ الفني عصمت النمر، أنه كان يؤذن للفجر في مسجد الحسين كل يوم على مقام موسيقي، فنغمة السبت “عشاق”، والأحد “حجاز”، والاثنين “سيكا” إذا كان أول اثنين فى الشهر الهجري، و“بياتي” إذا كان ثاني اثنين في الشهر، و“حجاز” إذا كان ثالث اثنين في الشهر، و“شورى” على “جاركاه” إذا كان رابع اثنين في الشهر. ونغمة الثلاثاء “سيكا”، والأربعاء “جاركاه”، والخميس “راست”، والجمعة “بياتي”. وكان يصعد منارة المسجد الحسيني الصغيرة ويصعد أستاذه الشيخ محمد القشيشي المنارة الكبيرة، ويؤديان التسابيح والأذان.

لم تلاحق الشيخين تهمة الابتداع. وقد أحسنت دار الإفتاء المصرية باستنكارها فتوى الجماعة الإسلامية في الصلاة على النبي قبل الأذان، قائلة إنها تجمع بين “الأخطاء الشرعية والأخطار الاجتماعية”. ولم تذكر شيئا عن أخطار لا تخفى؛ فمن ينصّب نفسه ناطقا باسم الدين، سيلجأ إلى القوة لإجبار غيره على ما يأمر به. ويندهش من يتصفح “موقع الرحمة” الذي يشرف عليه الغنيمي من طبيعة الفتاوى: هل يجوز قراءة الفاتحة على روح الميت؟ هل يجوز بناء القبور بالطوب الأحمر؟ هل وضع فرع من النخل على قبر الميت جائز؟ ما حكم صلاة النساء على الميت؟ هل يجوز للمرأة زيارة القبور؟ هل يجوز جعل القبر من طابقين؟ ما حكم خلع النقاب لأجل المشكلات في المدارس؟ هل يجوز للمرأة المسلمة أن تنتعل الكعب العالي؟ هل يجوز للمرأة أن تطول أظافرها لغرض الزينة؟ ما حكم خلع المسلمة حجابها عند نساء متبرجات؟ ما حكم لبس النساء للأحمر والأصفر؟ ما حكم اطلاع المرأة على عورة المرأة لأجل المساعدة في إزالة الشعر؟ هل يجوز تعليق صور الرسوم المتحركة؟ ما حكم بيع أدوات التجميل والعطور؟ ما القدر الواجب في إعفاء اللحية؟ ما حكم الشرع في قتل الأب لابنه؟

يبدو من طبيعة الأسئلة، ومن حماسة الإجابات استنادا إلى فتاوى يعاد استنساخها من دون اللجوء حتى إلى إلباسها ثيابا عصرية، أن وطأة الحيـاة كئيـبة لا تحتمـل، يحرم فيهـا على بنـي آدم أن يأخذوا أي زينة ولو عند مسجد، كما يجب عليهم التبرؤ من أي بوادر للخيال ومطاردة صور الرسوم المتحركة، لصيانة عقيـدة لا تصمد أمـام صورة فوتوغرافية محل جدل بالإباحة لضرورة، أو التحريم المطلق.

حياة ينشغل فيها مثل هذا “المفتي”، ويشغلنا، بهذه القضايا ليست حياة، ولكنها ظرف استثنائي يمنح هذا “المفتي” وظيفة، شغلانة، لإلهاء الناس عن التفكير إلا في التفاهات، إذ يلقي سفسافا هنا، وسفسافا هناك، ثم تجتمع السفاسف، وتهبط من فوق المنابر، فتضخها مكبرات الصوت في الفضـاء العام، وتنتقل إلى المواقع الإلكترونية ومجلدات الفتاوى، وتصير حجة على “المفتي” التالي للجماعة وسلالاتها من الجمـاعات التكفيرية، وتتبدد أعمار أجيال من المسلمين، يعيشون عاطلين عن “أن يتفكروا في أنفسهم”، ثم يموتون وهم يظنون أنهم أحسنوا صنعا، إذ أوحى إليهم كبراؤهم بأن الإنسان خلق لخدمة الدين، بدلا من أن يكون الدين في خدمة الإنسان، يمنح السعادة لمن يؤمنون به ومن لا يؤمنون؛ لأن حساب الآخيرين على الله الذي لو شاء “لآمن من في الأرض كلهم جميعا”.

هذا الجوهر للدين، كشأن شخصي، يبلغه الناس بالفطرة والتسامح الإنساني، أو بالوعي العام في ظل دولة ليس من مهامها أن تسوق الناس إلى الجنة، عبر بوابة أي دين.

عقب الثورة العرابية تأسس “الحزب الوطني المصري”، وفي 18 ديسمبر 1881 صاغ الشيخ محمد عبده برنامج الحزب في ست مواد، وتقول المادة الخامسة “الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني، فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه، لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية، وهذا مسلم به عند أخص مشايخ الأزهر الذين يعضدون هذا الحزب، ويعتقدون أن الشريعة المحمدية الحقة تنهى عن البغضاء، وتعتبر الناس في المعاملة سواء…”، (الأعمال الكاملة للإمام.. في الكتابات السياسية. تحقيق محمد عمارة، صفحة 399).

في عام 1946 اختارت نجمة الغناء والتمثيل ليلى مراد التحول إلى الإسلام. كانت زوجة لأنور وجدي النجم متعدد المواهب، ولم يترتب على اختيارها الشخصي تغير في حياتها وعلاقاتها الاجتماعية أو الأسرية، فضلا عن شعبيتها الطاغية في اليهودية والإسلام. ذات ليلة أنصتت إلى أذان الفجر، وسألته: لماذا لم يطلب إليها أن تسلم حين أراد أن يتزوجها؟ أوضح أن المسألة شخصية جدا، “وكل واحد حر في دينه”، فأبدت رغبتها في اعتناق الإسلام، ولم يجذب ذلك انتباه أحد، ولا صار خبزا للصحافة غير المعنية بدين الريحاني أو بديع خيري، كما لا ينشغل المجتمع الأميركي حاليا بدين أنجلينا جولي، ولا يعنيه أن تعتنق البوذية، ولا يقيم الاحتفالات فرحا باعتناق نجم مسلم للمسيحية، ولم ينكس رايته لتحول كاسيوس “محمد علي” كلاي إلى الإسلام.

ظل محمد علي رمزا أميركيا يحتفظ ببريق ودلالات عابرة للأجيال واللغات. في قرية صغيرة بها بضعة أجهزة للتلفزيون كنا نسهر في قهوة فقيرة، انتظارا لمتابعة مبارياته أمام فريزر، وفي “لقاء الأدغال” بكينشاسا أمام فورمان، ونعتبر فوزه انتصارا لنا. في وقت لاحق، سنعرف أن الأميركيين لم يكونوا أقل حماسة وحبا له، غير مبالين برفضه للحرب على فيتنام، وهو ما كانت أنظمة استبدادية في العالم العربي والإسلامي ستصنفه كجريمة خيانة عظمى، فضلا عن اتهامه بالردة. ولكن مناهضته للحـرب واختيـاره دينا آخر لم يؤديا بأميركي للشك في وطنيته أو عقيدته.

درس لا تعيه المؤسسات الدينية في مصر، ومنها دار الإفتاء التي تنسى أن الله غني عن العالمين، ولا يستفزها إهدار الحريات، ولا تحث على إنشاء “وحدة مواجهة الفقر” لتخفف التفاوت الطبقي الصارخ، ولكن الغيرة دفعتها إلى إنشاء “وحدة مواجهة الإلحاد”، بعد أن رصدت عشر حالات شهريا بعضها اقتنع بالإلحاد، والبعض متشكك، فسارعت إلى إنشاء وحدة للرد على شبهات الملحدين.

قبل ثلاثة أعوام ظهر شبان حديثو عهد بالإلحاد، في برامج تلفزيونية، مع مشايخ لم يملكوا إلا اتهام الشبان بالخروج من الملة، والكفر بالإسلام. فسروا الماء بعد الجهد بالماء؛ لأن الشاب الذي ألحد لا يزعجه هذا الاتهام، ولا ينتظر تصحيح عقيدته، إذ اطمأن إلى ما يؤمن أو ما لا يؤمن، بعد فترات من قلق ربما تسبب فيه بعض المشايخ، بسبب التناقض بين الأفكار المثالية والواقع المريض.

روائي من مصر

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر