الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

بازار 'يوم القدس' وقناع فلسطين

حزب الله كشف قناعه الفلسطيني عن بندقية تقاتل اليوم في خندق سوري لنظام هو جزء من مشروع إيراني يقوم على حلم ثيوقراطي قومي بأزياء إسلامية.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2013/08/05، العدد: 9283، ص(9)]

أطل علينا حسن نصر الله مجدداً بوجهه المحتقن وافتخاره ونفاجته، وقد لاح منه حنق بات ملازماً له في الآونة الأخيرة، ليقدم نفسه، كما لم يفعل من قبل، ناطقاً رسميا باسم جميع الشيعة، ليس في لبنان وحده، ولا في العالم العربي وحسب، ولكن في الشرق والغرب وحول العالم.

ها هو رجل المليشيا المتورط، بحرب إيرانية ظالمة على شعب سوريا، يخرج من وكر مظلوميته الحصين ليطلق في بازار «يوم القدس» صرخة مهولة في جمهوره المتيم به: «نحن شيعة علي ابن أبي طالب في العالم» ويضيف: «لن نتخلى عن فلسطين».

يا لفلسطين المسكينة، فهي الورقة الرابحة في أيدي جميع المقامرين، وفي كل وقت. من مناسبة إلى مناسبة تتحول فلسطين إلى مناسبة جديدة. وهذه المرة، مناسَبة (بفتح السين) مناسِبة (بكسر السين) ليعلن زعيم مليشيا حزب الله نفسه ناطقاً باسم شيعة العالم. وفي مواجهة من؟ «السنة» الذين بات هذا «الأخ الأكبر» المحلي، شريكاً لـ»الأخ الأكبر» الأممي في تكفيرهم وشيطنتهم ومقاتلتهم على أرض وطنهم سوريا.

لا أمل لكم، إذن، أيها السوريون المحمولون على أكتاف السوريين مبللين بدم الحرية، وقد خرجتم بصدوركم العارية تحت الرصاص، سوى أن ترجعوا إلى حظيرة العبودية التي سجنكم فيها آل الأسد وحماتهم الإيرانيون. يقول لكم «رجل المقاومة»: ارموا سلاحكم الذي تواجهون به على أرض الشام سفّاحاً متعطشاً للدماء تسانده العصابات الشيعية اللبنانية والعراقية والإيرانية وفي جوارها ميليشا سورية من قرويين بسطاء استنفرهم الطاغية من أعمالهم وبيوتهم بخطاب طائفي، وقد سلّحهم، جميعاً، تحالف مصالح إيراني/ روسي، ليكونوا وقودا في محرقة إقليمية.

ادفنوا شهداءكم أيها السوريون وعودوا إلى أطلال بيوتكم المهدومة، فقد صنفكم لقاء المصالح هذا بوصفكم إرهابيين تكفيريين (أي شياطين سنّة)، تواجهون تحالفاً إيرانياً روسياً تنفذه بالسلاح ميليشيات أصولية -لبنانية -عراقية- إيرانية بفقه شيعي ومصطلح أميركي.

عندما دمّر الروس غروزني على رؤوس أهلها، استعاروا من الأميركيين مصطلح «الإرهاب» ووصموا به، ظلماً وافتئاتاً، الشيشاني المسلم، في ظلّ «الفوبيا الإسلامية» التي تسود العالم الغربي، ليمكنهم أن يسوّقوا، عدوانهم على شعب هبّ يطالب باستقلاله، بوصفه حربا على الإرهاب.

الشيء نفسه فعله رجل المليشيا الشيعية اللبناني، عندما دفع بعصاباته لتجتاز حدود لبنان وتنتهك الحدود السورية، لتقاتل إلى جانب عصابات الأسد، دفاعاً عن بقايا نظامه الديكتاتوري، وها هو رجل إيران في لبنان يصف المقاتلين السوريين دفاعاً عن مدينتهم القصير، كذباً، بأنهم «إرهابيون تكفيريون» وقد ساقه خطابه هذا إلى طور جديد من»الممانعة» لهو من غرائب الأطوار. ففي غمرة الولوغ في دم الضحية السورية نسي رجل المليشيا الشيعية أنه هو نفسه مصنف إرهابياً.. وها هو يتبنى المصطلح الذي صنفه به عدوه، ليقيم على نفسه الحجّة بتخبط الخطاب، وضياع البوصلة.

لكن سياسة الهيمنة الإيرانية التي قاد حزب الله إلى فخاخها شباناً لبنانيين أبرياء، ورمى بهم في المحرقة السورية، ليعودوا إلى أهلهم في القرى اللبنانية جثثا هامدة، تحتاج باستمرار إلى شعارات كبرى تتوارى وراءها، فلا يكفي وصم السوريين المقاتلين دفاعا عن بيوتهم وأطفالهم ونسائهم بالتكفير، دون مستند يشرعن الجريمة، ويخفي ما أمكن من عورات خطابها المذهبي، لابد إذن من اسم فلسطين، نلوثه في شراكة أقل ما يمكن وصفها به بأنها شراكة في جريمة.

وهكذا يقول رجل إيران في لبنان: انسوا أيها السوريون أنكم أنتم من قدّم خيرة الشهداء لأجل فلسطين، من عز الدين القسام ابن مدينة جبلة سيد المقاومة العربية، الشهيد على أرض فلسطين في أحراش يعبد بجنين سنة 1935، وحتى سعيد العاص، ابن حماه الذي قاتل مع الشهيد عبد القادر الحسيني واستشهد في معركة الخضر عام 1936.

السوريون الذين سبقوا العرب جميعا ورووا بدمائهم أرض فلسطين لا يحصون عدداً، بينهم الطبيب والضابط والعامل والفلاح والمثقف والكاتب، أسماؤهم تدل على انتماءاتهم المناطقية والعائلية: فؤاد العظمة، محمود خطاب، تيسير طه، ضيف الله مراد، محمد الصباغ، محمد الأرمنازي، مأمون البيطار، إحسان كم الماظ، فتحي الأتاسي، عيسى شويحنه، منذر الأيوبي، جمال مارديني، مأمون البيطار وغيرهم.

أحفاد هؤلاء السوريين الأحرار الذين لم يعودوا من فلسطين، ولكن عادت أسماؤهم وذكراهم، لتسكن ضمائر الأجيال، هم من يقاتل اليوم لأجل حرية سوريا، وهم من يردّ عن تراب سوريا اليوم غزواً أجنبياً إيرانياً بسلاح روسي وعصابات لبنانية وعراقية، بل وبين من يقاتل السوريين اليوم شيعة خدعتهم خطابات (قم) و(ضاحية بيروت) تدفقوا على أرض الشام من إيران والباكستان واليمن وطاجكستان وأفغانستان وأذربيجان.. وغيرها، لكسر شوكة الثورة، وقد صورها لهم خطباؤهم الكذبة حربا شيعية على شياطين سنّة يعتدون على تراث آل البيت في دمشق.

تكشف لغة زعيم المليشيا الإيرانية في لبنان عن تحريض مذهبي لا لبس فيه، وعن استدعاء لمزيد من الحشود الشيعية في العالم، للتورط في قتال ضد حرية شعب، ممعنا في استعمال اسم فلسطين لأغراضه السياسية الموالية لإيران ومشروعها الثيوقراطي. ولا يمكن لخطاب، كهذا، بنبرة مذهبية مفضوحة، إلا أن يصب مزيدا من الزيت على الاحتراب المذهبي، ويفاقم من الاحتقان الطائفي في الإقليم، ويعاظم من الفتنة بين المسلمين. وهو ما يملي على النخب المثقفة ومعها النخب السياسية الفلسطينية أن تواجه هذا المأفون في الضاحية، الكاشف عن قبح منطقه، وخطل كلامه وسوء مسلكه، أن يقال له كفّ عن إخفاء وجهك المذهبي بقناع فلسطين. منذ أن وجهت بندقيتك إلى ظهر الشعب السوري لم تعد فلسطين تصلح قناعا لوجهك القبيح.والعبرة مما تقدم، أن حزب الله كشف قناعه الفلسطيني عن بندقية تقاتل اليوم في خندق سوري لنظام هو جزء من مشروع إيراني يقوم على حلم ثيوقراطي قومي بأزياء إسلامية، يمتد من قم إلى صعدة، مرورا بالعراق وسوريا ولبنان وصولا إلى جبال اليمن.

في يوم مضى، ويبدو أنه مضى ولن يعود، عندما كانت بندقية حزب الله موجهة نحو فلسطين، وكانت بندقية مقاومة، وفي غمرة الشعور العالي بالكرامة، وصفتُ نصر الله على الملأ بأنه «غيفارا العرب». وعندما ضلّت بندقيته طريقها في شعاب المشروع الإيراني، وتوجهت إلى ظهور السوريين أنفسهم الذين فتحوا أبواب بيوتهم للحاضنة الشعبية اللبنانية لتلك البندقية، لم يعد لبندقيته أن توصف إلا بأنها بندقية مأجورة في مشروع عابر للحدود العربية، بات شريكا موضوعيا في تمزيق كياناتها مع العدو التقليدي للعرب، ولامناص أمامهم من مواجهة إيران في سوريا، بكل ما يملكون من إرادة وإمكانات، دفاعا عن خندق متقدم يقاتل دفاعا عن وجودهم، دفعا للمخاطر التي تتهددهم، بينما عدوهم التقليدي يتابع عن قرب أطوار محنتهم مع «الروم» الجدد، وتمزق خارطتهم، فهؤلاء يحتلون بمشروعهم التمزيقي حاضرهم، وأولئك يحتلون بمشروعهم الاستعماري مستقبلهم، شراكة شيطانية بين مشروعين تدميريين، يحيقان بالسوريين والعرب، في معادلة صدح به شاعرهم يوما: «وسوى الروم خلف ظهرك روم فعلى أي جانبيك تميل».

خطاب نصر الله الأخير حطبة جافّة أخرى في حريق لن تتوقف ناره عن الزحف حتى تأكل البيت اللبناني برمته فتأتي عليه بمن فيه. أما أرواح السوريين المقاتلين اليوم لأجل كرامة سوريا وحرّيتها، قتالَ أبطالٍ أسطوريين، فهي من نور المشكاة نفسها التي أهدت فلسطين أرواحا شامية زكية فنيت في حب القدس، فسكنت الذاكرة، ووهَّجت الأرواح، وكتبتْ التاريخ.

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

العالم الآن

:: اختيارات المحرر