الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

مندسّون ومدنّسون ومهندسون

مندسون بكل معنى الكلمة على حسب شعب العراق، ومدنسون هم ومنطقتهم الخضراء وعمليتهم السياسية؛ ومهندسون بكل معنى الكلمة للإرهاب وكل قواسمه المشتركة على مساحة أمتنا العربية.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/06/08، العدد: 10300، ص(8)]

يخطئ من يظن أن تدمير العراق، كما عرفناه، بدأ مع الاحتلال الأميركي في أبريل 2003، إنما كان هدفا وجذرا فارسيا في أعماق تاريخ العلاقة بين العراق وإيران، وصعودها وتناميها بعد انتقال الخلافة العربية الإسلامية إلى بغداد من دمشق ونهاية الدولة الأموية، وتأثُر إيران وشعوبها بالمساحة المنفتحة التي وفرها تدشين عصر النهضة العباسية واندماج نخبة الشخصيات من مفكرين ومبدعين كانوا نتاج حضارة، تعتبر القاسم المشترك للإمبراطوريات المهيمنة على العالم قبل الإسلام.

وأضاف هؤلاء بعدا إنسانيا وتجليا للفتوحات الإسلامية أعطتها تناغما ووعيا نتلمس محاسنه وتفرده في انصهار متنوع لمعادن اللغة وطبائع المجتمعات؛ وإلى يومنا هذا نستشهد بعلماء ساهموا مع العرب في إغناء مفاخر عصرنا الذهبي، ونعتبرهم أيقونات في الصرف والنحو والعلوم المختلفة وغيرها.

المعضلة في التاريخ هو انكفاء فترات التألق وانحراف بوصلة الجهد المشترك لإغناء الحياة بالمعارف وتقدم الخبرات وتطورها، تحت ضغط خصوصية الماضي وتجاوز الصلاحيات الموضوعية واستغلال المكانة الاعتبارية والسياسية لرفع سقف غرور الطموحات، وكان ما كان من أحداث معروفة، أدت في ما بعد إلى تراجع إيران وانغلاقها على ثقافتها ولغتها في القرن الثاني عشر الميلادي.

وفي 1507 أثناء عهد الشاه إسماعيل تأسست الدولة الصفوية ومعها تفجّر الصراع المذهبي باستخدام القوة لفرض وتغيير المعتقدات والطقوس، ضمن الحدود الجغرافية والسياسية لإيران وما نتج عنه من مداخلات وخلافات استعانت بها الدولة القومية الفارسية لتبرير مشروعها وغاياتها عبر قرون طويلة في إثارة النزاعات تحت غطاء تراثها الطائفي، كما يحصل الآن.

وفي العام 1979، تولى الملالي حكم طهران واعتمدوا ولاية الفقيه كنظام تعسفي متخلف يعتمد موروثات الخلاف الطائفي لأغراض مشروعهم وما أطلقوا عليه “تصدير الثورة” ووضعوا العراق هدفا سريعا ومستعجلا لها، على الرغم من أن الشاه محمد رضا بهلوي لم يكن يخفي عداءه، والمشاكل والتجاوزات على الحدود والمخافر العراقية كانت شبه يوميات ومبعث قلق إيراني على بوابة العرب الشرقية.

تسارعت النيات بخطوات واسعة وعملية لاحتلال العراق، معتمدة على التداخل المذهبي أو الطائفي كاستثمار مضمون، وعولت على مجموعات تنتمي لها داخل العراق، لكنها واجهت بعد نشوب الحرب دفاعا مستميتا من الجيش العراقي الذي قاتل للذود عن مشروعية وطنه وحرية شعبه واستقلال إرادته.

العراقيون انتصروا في حرب الثماني سنوات، تحت راية وطن واحد مقابل هوس طائفي مجنون، من ملامحه قتل المئات والآلاف من الإيرانيين، دون السن القانونية، لفتح ثغرات في حقول الألغام وهم يرتدون مفاتيح “جنة خميني” على طريقة صكوك الغفران، وتثقيف جنودهم على أن جميع العراقيين كفار وأوصوهم بعدم شرب الماء من يد أحدهم في حالة الأسر (من مشاهداتي العيانية)، وأن مدن كربلاء والنجف على مسافة قصيرة من الحدود، وما قطع القماش الخضراء التي كانوا يعصبون بها رؤوسهم ومكتوب عليها “مسافر كربلاء” إلا شعار طائفي يلخص توجهاتهم حينها، وجرائمهم اليوم.

لم يمنع العراق أحدا من زيارة العتبات المقدسة وخاصة الإيرانيين، والخميني ذاته كان ضيفا على العراقيين لسنوات، لكن كربلاء والنجف كانتا معبرا نفسيا دفعت الشعوب الإيرانية ثمنا فادحا له، وسببت مآسي كبيرة للعراق وأهله وللعرب من بعد العراق.

كم نتمنى نحن الجنود الذين نجونا من الحرب الطاحنة على بوابة العرب الشرقية لو استمرت تلك الحرب ولم تنته، لأنها ستكون أهون في خسائرها على العراق أولا، وعلى الأمة العربية ثانيا؛ في حساباتنا، الآن طبعا، إن قتال الرجال على الجبهات أمر يستحق التضحيات الكبيرة لمنع انتشار خلايا السرطان الطائفي ومهازل استباحات المدن وتدنيس كرامات أهلنا.

وفي العراق، مدن مطلوبة على لائحة تصفيات ولاية الفقيه، كما هي لائحة الآلاف ممن تمت تصفيتهم من علماء وخبرات أو ضباط في مختلف الصنوف، وخاصة الطيارين الذين كانوا ذراع العراق الطويلة التي أجبرت إيران ووليها على كف شرها وإيقاف صادراتها الشيطانية.

الفلوجة، توجز لماذا كان يجب أن تستمر الحرب مع إيران ليبلغ عمرها الآن 36 عاما، أي منذ 1980 إلى حاضرنا. لو حصل ذلك، ما تجرأت ولاية الملالي على إعدام المدن العراقية واحدة بعد الأخرى، والمدن العربية واحدة بعد أخرى أيضا.

إيران لا تحتاج إلى إدخال جيوشها، لتوصل لنا وللعالم وللعرب خاصة، أنها احتلت العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان، لأن قواتها متلونة كالحرباء تماما مثل سياستها وإرهابها، وما تسعى إليه من تدبير فرص لمواطئ أقدام الصراع الدولي والإقليمي ودعم الإرهاب المقابل لخلق سوق وحمام دم لن يتوقف عن أطماعه وغاياته المعلنة في النيل من العرب.

بسخرية كبيرة وبغضب، نتعامل مع تصريحات الإدارة الأميركية حول داعش 2 أو 3 على غرار لعبة الأمم في سوريا وعلى طاولة جنيف (1 و2 و3) التي لم يلتقِ بها طرفا النزاع حتى ولو من وراء سِتار، والذاكرة القريبة لم تنس التوقعات الدولية لاستمرار الحرب على الإرهاب 30 عاما.

استعجل حيدر العبادي، كما استعجل خميني احتلال العراق، في عملية استعادة الفلوجة من إرهاب داعش، لينقذ حكومته من “المندسّين” بين صفوف المتظاهرين، لكنه فوجئ بوجود “مندسين” كالعادة، كانوا السبب في الخروقات الفردية غير الممنهجة، وقرر أن يحاسبهم لتجاوزاتهم بقتل وإهانة وجرح كرامة “أبناء الفلوجة الكرام” بحسب وصفه لهم.

مندسون في كل مكان وفي كل إبادة، والمندسون جاهزون في توصيفاتهم وفق ضمير حكومة مسرح العرائس لولاية الفقيه الفارسي في بغداد؛ هناك مندس مع ومندس ضد، وهناك قادمون يا فلوجة “حلال” وقادمون يا صلاح الدين أو ديالى أو الموصل “حلال أيضا”، الاستثناء والحرام “قادمون يا خضراء”.

الاستعجال كان من ضرورات بيت أبيض أميركي كذلك، لما تبقى من تتمات فترة حكم الرئيس باراك أوباما، أو من أجل فضيحة مدوية لفشل مزدوج للسياسة أو الجيش في العراق؛ ننتظر المتغيرات ومهازل المندسين في الفلوجة تحديدا، وهم تحت قيادة المهندسين من أبومهدي المطلوب للإنتربول إلى أبوولاية الفقيه المطلوب لكل العالم.

ما يجري من انتهاكات، تتحملها الولايات المتحدة باحتلالها ثم انسحابها غير المسؤول من العراق، وتسليمه إلى إيران في صفقة مشبوهة، ويتحملها كل الساسة العراقيين الذين خانوا بلادهم وتعاونوا مع المخابرات المركزية الأميركية قبل الاحتلال، أو الذين دخلوا العملية السياسية وشرعنوا لها بحثا عن تبريرات أو وجاهة زائلة وثروات على حساب دماء أهلهم وتدمير مدنهم، وهناك الصامتون.

المندسون، هم كل المحسوبين على العراق الذين رفعوا بنادقهم بوجه جيشه وشعبه من خارج الحدود بحجة الدفاع عن المذهب والطائفة سنوات الحرب الإيرانية العراقية، وهم من استجدى احتلال العراق وتاجر في المحاصصة وتعكز على الديمقراطية للتكتل ضمن حدود طائفته أو قوميته.

مندسون بكل معنى الكلمة على حساب شعب العراق، ومدنسون هم ومنطقتهم الخضراء وعمليتهم السياسية؛ ومهندسون بكل معنى الكلمة للإرهاب وكل قواسمه المشتركة على مساحة أمتنا العربية.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر