الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

بطون وعيون

بين ما تبتلعه البطون وما تشتهيه الأنفس والعيون تفاعلا مع إعلانات الإذاعة والتليفزيون، هناك خسائر استثنائية يرمى بها في القمامة.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/06/08، العدد: 10300، ص(24)]

عندما يصبح هم هذه الحكومة أو تلك هو الاستعداد لشهر رمضان بتوفير ما يكفي من البيض واللحوم والدجاج والسمك والتونة والزيت النباتي والحليب والزبادي والفواكه والخضار، نشعر أن الشهر الفضيل بات شهر ملء البطون لقوم يسرفون ويبذرون، وكأننا أمام مهرجان التخمة السنوي العابر للحدود والقارات، والذي ترتفع فيه مستويات الاستهلاك إلى أضعاف مضعفة عما يستهلكه الناس في بقية الأشهر.

ولأن رمضان أضحى كرنفال الشهوات وخاصة في ما يتعلق بالمأكل والمشرب والتحالي والتسالي وسهر الليالي، فإن شركات الإعلان تخصص أكثر من نصف موازناتها السنوية له وحده، مستفيدة من حالة الهبل الاستهلاكي المسيطرة على الغالبية الساحقة من الناس.

ومن الطبيعي أن تذهب النسبة الأكبر من الإعلانات إلى الإذاعة والتليفزيون، ومن الثابت أن للتليفزيون النصيب الأوفر حيث يصبح التلاعب بالعيون يسيرا، ما يجعل المنتجين يتنافسون على استقطاب نجوم الدراما والمسرح والسينما والغناء لتصوير مسلسلات ضخمة بموازنات خيالية، يتم عرضها مقطّعة الأوصال في زحمة إعلانات الزيت والشوكولاتة والرز والصابون والدجاج والشيبس والفول والعصائر والمشروبات الغازية وخطوط الطيران والماء المعلّب وغيرها.

يجد المشاهد الصائم الغلبان والتعبان نفسه في حالة تشتت بين المائدة التي أمامه، والمائدة المعروضة على شاشة التليفزيون، والأعمال الدرامية التي لا يستطيع مشاهدتها إلا وهي ممزقة، وعليه أن يذهب صباحا للعمل، إذا كانت لا تزال به قدرة على العمل، ثم يتجه إلى التسوق إذا كان في جيبه أو بطاقة الائتمان المصرفي ما يسمح له بذلك.

وبين ما تبتلعه البطون وما تشتهيه الأنفس والعيون تفاعلا مع إعلانات الإذاعة والتليفزيون، هناك خسائر استثنائية يرمى بها في القمامة، وهناك ديون تتراكم على متوسطي أو معدومي الدخل، وهناك توقف لعجلة العمل والإنتاج، وهناك تثاؤب رسمي وشعبي تحت بند الصيام، وهناك حيتان كبيرة تستفيد من كل ذلك ولا تهتم إلا بما يتحقق لها من أرباح فوق العادة في شهر كان من المفترض أن يكون شهر القناعة والعبادة لا شهر تخمة البطون وشهوات العيون وتراكم الديون على قوم دون وعي يسرفون وبلا حساب يبذّرون.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر