الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

قصيدة الحب

الاستعادة الحقيقية للحب والمرأة في الشعرية العربية بدأت مع قصيدة النثر في السبعينات، على الرغم من محدودية التجارب ذات القيمة الجمالية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/06/09، العدد: 10301، ص(15)]

اختلفت تأويلات الدارسين والنقاد لمفهوم الحب العذري حتى وصل الأمر بالبعض إلى التشكيك في صحة هذه الظاهرة، لكن ما يهم بعيدا عن هذه التأويلات أن هذه الظاهرة قدمت نموذجا متميزا وخاصا من قصيدة الحب، تجاوز تأثيرها الشعر العربي إلى الشعر العالمي، كما تجلى في تماهي لويس أراغون في أهم أعماله الشعرية مجنون أليسا، بتجربة مجنون ليلى.

لم يكن أراغون الذي رأى أن المرأة هي مستقبل العالم هو الوحيد الذي منح هذه التجربة مساحة واسعة لأفضل ما كتبه، هناك أيضا بابلو نيرودا الذي أعطى الحب بعدا ملحميا، تجلت فيه عبقريته الشعرية، التي جعلت من تجربة عشقه لماتيلدا نشيدا عظيما يتحول العالم معه إلى مجازات تمتزج فيها الأسطورة بالرمز، والحس بالتجريد، والذاتي بالجمعي، كأننا نطل معها على بداية تكوين أخرى للعالم.

كان نيرودا صاحب موقف سياسي من الدكتاتورية دفع حياته ثمنا له، وكذلك كان أراغون، في حين أن شعراء الحداثة العربية الذين شغلتهم قصيدة الرؤيا التموزية وقيامة أليعازر، لم يولوا هذه التجربة ما تستحقه من اهتمام، بسبب تأثير الأيديولوجيا والسياسة على تجاربهم ورؤاهم حتى أنهم في مرحلة لاحقة، رأوا في قصيدة الحب خيانة لقضايا الوطن المصيرية، لذلك هربوا من مواجهة هذه الحالة، إلى تحويل المرأة إلى رمز للوطن والأرض والثورة يتغنون به.

إن هذا الانقطاع في سيرورة التجربة الشعرية، أفقد تجربة الشعر الحديث رافدا جماليا مهما من روافد التجربة، كان يمكن أن يرتقي بها إلى مستويات عالية من الإبداع، تضيف وتثري واقع التجربة، بصورة تستعيد معه الذات الشعرية تكامل أبعادها العاطفية والروحية والفكرية، وتحقق انسجامها مع ذاتها خارج إطار ما يمليه المزاج السياسي والاجتماعي لمرحلة التحول التي كانت تعبر هذه التجربة عنها، وتبحث عن وظيفتها داخل سياقها.

ابتدأت تجربة نزار قباني مع الحب رغم تذبذب مواقفه من المرأة، لكنها انتهت مع السياسة، على خلاف الشاعر محمود درويش الذي بدأ شاعر الأرض والوطن والنضال الوطني الفلسطيني، ثم انتقل إلى قصيدة الحب في بعدها الروحي والإنساني والجمالي، دون أن تفقد اتصالها بهواجس القضية الوطنية، وهكذا كان ما كتبه عن المرأة والحب من أفضل نصوصه الأخيرة، التي حاول في عدد منها أن يقيم اتصاله مع هذا التراث الشعري العربي والعالمي، من خلال علاقات التناص، التي أقامها معها.

ربما كانت فدوى طوقان استثناء في هذا السياق، لكن الاستعادة الحقيقية للحب والمرأة في الشعرية العربية بدأت مع قصيدة النثر في السبعينات، على الرغم من محدودية التجارب ذات القيمة الجمالية الجديرة بمديح القصيدة.

ناقد من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر