الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

القلق الملون

ليس العالم العربي بعيدا عن هذا السحر 'الواقعي' الموسوم بوطأة الحب بكل صوره، بل يكاد يكون موطنه الأول.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/06/10، العدد: 10302، ص(16)]

غالبا ما يُنظر إلى الفنان الذي يقدم أعمالا فنية تصور مدنا أو منازل فيها الكثير من الغرائبية أنه فنان يجنح إلى عالم الخيال بعيدا عن أرض الواقع. لو سُئل الفنان عن تلك البيوت أو الأماكن سيجيب مُبتسما بأنها ليست خيالية البتّة بل هي “من صلب الواقع المعيش”، وسيكون مُحقا في قوله هذا، فليس العالم الذي نعيش فيه هو كما نراه في نظر العديد من العلماء والفلاسفة. الحقيقة قد تكون في صورة مغايرة تماما عمّا اعتدناه، ويسعى العلم إلى أن يكشف عن ذلك يوما بعد يوم.

أما من منظار فنيّ بحت فتلك المنازل المرسومة بنفس غرائبي، هي تأكيد على أن اللوحة التشكيلية التي شيدها فنان منغمس في الواقعية السحرية، قد احتشدت من حولها كائنات لا مرئية شاركت الفنان في بنائه لتلك اللوحة. كائنات هيولية آتية من ماضيه البعيد ومن براعم أفكار له لم تتحقق، أو لمعات مشاعر مهدورة هنا أو هناك على حافة الطرقات المُغبرة بالحوادث اليومية أو المُهشمة بأذى الناس أو ظروف الحياة القاسية.

منازل كتلك المنازل لا تنتمي إلى مدن خيالية، بل إلى رحيق الواقع وقد تقنّع ببتلات زهور اصطناعية لن تستولي على اهتمام الناظر إليها لفترة طويلة قبل أن تجفّ وتذوي، فتشير إلى بيت القصيدة المُجسدة في اللوحة. بيت أزرق اللون ولا مثيل لزرقته في معظم اللوحات الأخرى التي لا تنتمي إلى طراوة الحلم ومتانة أساساته.

لعل أكثر فنان غربي استطاع أن يجسد هذه النظرة المُركبة إلى الواقع المحسوس هو الفنان الروسي مارك شاغال، فاندثار المدينة التي شهدت ولادته وطفولته أثناء الحرب العالمية الثانية إثر قصف الجيش الألماني، لم تترك له مجالا في إعادة بنائها في خياله وفي لوحته، إلاّ شعريا، وبالتالي سحريا من خلال ذكرياته وتداخلها مع بعضها البعض.

بنى الفنان عالما رائعا متوهج الألوان حيث كل شيء وكل كائن حيّ هو طائر يسبح في زرقة عميقة، مع أو من دون أجنحة، لوحات لم تغادرها ثيمة الحبّ إلاّ نادرا.

استمر شاغال لمدة سبعين سنة في الاغتراف من خزان ذاكرته المتحولة مُستمدا منها أروع الصور والقصص والعوالم المسكونة بالدهشة، حتى أنه كتب رسالة موجهة إلى مدينته هذه بكلمات بسيطة ومُعبرة.

كتب الفنان “لماذا؟ لماذا غادرتك؟ لا زلت هذا الولد الصغير.. أرسم والرياح تجنح في رأسي.. لم أعش طويلا في كنفك، ولكن ليست لديّ لوحة واحدة إلاّ وهي قبس من روحك، تتنفس برئتيك وهي انعكاس شامل عنك”.

ليس العالم العربي بعيدا عن هذا السحر “الواقعي” الموسوم بوطأة الحب بكل صوره، بل يكاد يكون موطنه الأول، وقد يكون الفنان اللبناني المعاصر حسن جوني من هؤلاء الفنانين الذين رسموا بيوتا من الواقع الخيالي، إذا جاز التعبير.

هي بيوت شيدها من مادة واقعية جدا، وهي زبد أمواج البحر الأبيض المتوسط، وطلى جدرانها بأشعة الشمس، شمس واقعية جدا، بيوت تجاور في أغلبها زرقة البحر حتى أنها تكاد تكون في لوحات كثيرة جزءا من البحر، أو صلة الوصل الوحيدة بين زرقة البحر وزرقة السماء.

إنها منازل تُحلق في لوحات كثيرة فوق سحاب يشبهها، منازل تقع على الحافة ما بين خيال الفنان وذكريات عن مدينة اسمها بيروت، قبيل أن تتحول إلى مدينة مُعاصرة غير منسجمة في أغلب هندستها المدنيّة مع ماضيها غير البعيد.

لم يوفر الفنان حسن جوني مناسبة واحدة، إلاّ وأبدى فيها أثر تلاشي الأماكن الأولى في نفسه، ومن ضمنها تلك البيوت الحميمية التي تلاشت بشكل شبه كليّ، إنها بيوت قصيدته المُجنحة الناجية من النسيان.

يقول الفنان في إحدى المقابلات “أرسم لوحة الحب والأماكن الحميمية التي نعشقها مطلع العمر.. عذرا إذا كان القلق روح تجربتي التشكيلية.. فهذا هو أنا.. قلق ينتج قلقا ملونا”.

أما الفنان مارك شاغال المشغول هو أيضا بالأماكن الأولى، فيقول “في حياتنا يوجد لون واحد.. لون القلق ولكنه اللون الذي يعطي حياتنا وفننا معنى، إنه لون الحب”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر