السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

نبيل نحاس يرسم الكون بصوفية مدهشة

  • أن تلتقي بالأعمال الجديدة للتشكيلي اللبناني نبيل نحاس، وهي معروضة في “غاليري صالح بركات” البيروتية يعني أن تعيد الوصال مع عالمه الذي سبق أن قدم الفنان بعضا من فصوله للمُشاهد اللبناني.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/06/10، العدد: 10302، ص(17)]

رسومات مشفرة تبحث في ماهية الأشياء

بيروت - إذا كان المعرض الاستيعادي الذي نُظم للتشكيلي اللبناني نبيل نحاس في “مركز بيروت للمعارض” سنة 2010، هو بمثابة عرض لما أبدعه الفنان خلال أربعين سنة من حياته الفنية، فإن المعرض الحالي المقام في “غاليري صالح بركات” بالعاصمة

اللبنانية بيروت، هو احتفاء بصريّ بالمنطق الذي صيّر جميع أعماله، وذلك منذ بداياته الفنية سنة 1973 إلى الزخم الروحي والحالي الذي لا يخلو من الحسّية، بل يُصعّد من نبرتها.

في المعرض مجموعة من الأعمال الفنية تجسد بشكل شبه تامّ ما وصل إليه الفنان من نضج في الأفكار والقدرة على إلباسها تصميمات بصرية يحار الناظر إليها، إن كانت من مادة الأكريليك المعجونة بمسحوق حجر الخفان، أو هي من عجينة أثيرية استطاع الفنان أن يسلّطها على لوحته، كي تخطّ ما يحلو لها من أشكال تتماشى كليا مع إرادته المشبعة بحيوية باطنيّة قلّ مثيلها.

العودة الخلاقة

سيعثر زائر المعرض للوهلة الأولى على مشاهد طبيعية مُحببة لنبيل نحاس لتُذكر بشكل كبير بمعرضه السابق، مشاهد “مُكبّرة” إذا جاز التعبير، عن أشجار الأرز والنخيل والصنوبر، غير أن الفنان في هذه اللوحات تخطى بمراحل تصوير أشجار عادية بغض النظر عن روعتها، فليس ما نراه في هذا المعرض مشاهد طبيعية مُنفذة بأسلوبه الفني المُبتكر.

أشجار ومشاهد نبيل نحاس تحولت في لوحاته الجديدة إلى رموز مشحونة بشتى الدلالات إلى حدّ باتت فيه لا تنتمي إلى عالم البديهيات المحسوسة، بل إلى عالم الرؤى والأفكار التي تتمظهر من خلال أجواء صوفية نابضة وتكرارية في تجلياتها.

أفكار تتوالد من بعضها البعض لتدور حول محاورها مُستعيدة ذات الزخم الذي بدأت منه، تماما كما في الممارسة الصوفية التي تبتغي بإلحاحها خرق العالم المباشر بغية الوصول في لحظة دهشة ما، أو صدفة ما إلى ما هو أصدق، وأشمل ودائم التوسع، على أمل أن يكون الصدر قادرا على احتمال هكذا نوع من اكتشافات بليغة الأثر.

متوسّعة هي آفاق لوحة نبيل نحاس، متوسعة كما الكون الذي لا يعرف حدودا له، تعجّ بعواصف كونية تحيل المُشاهد إلى التفكّر بعظمة الكون في أدنى التفاصيل الحسية.

رؤى نبيل نحاس وأفكاره تتمظهر في لوحاته من خلال أجواء صوفية نابضة وتكرارية في تجلياتها

وهذا أيضا من ضمن مزاج لوحة الفنان، فهو مُقتنع تماما ومبهور تماما بأصول الفن الإسلامي الذي يُخرج فعل تكرار العناصر في اللوحة الزخرفية أو الحروفية من مبدأ الملل، يأخذ هذا التكرار إلى مفهوم اللانهائية وإلى ترابط أجزاء العالم بأسرها في وحدة كونية مُشعة.

لم يترك الفنان نبيل نحاس الفرصة لأيّ “شجرة” مرسومة أن تبقى على ما تظهر عليه من النظرة الأولى، وإذا كان الفنان أعلى من شأن تلك الأشجار “اللبنانية” أو المناظر الطبيعية اللبنانية في معرضه السابق، ففي معرضه الحالي لم تعد هذه الأشجار تحمل جنسية واحدة، كما أنه لم تعد هناك شجرة عادية في لوحته، بل ذريعة للولوج إلى ما هو أعظم.

عبر “شجرة” نبيل نحاس تتجلى غنائية الكون في اتحاد بصري تشكيلي نظم قوانينه الفنان نفسه، من خلال خطوط ودوائر هندسية صارمة وحرّة في الآن ذاته، تكاد تُقنع مُشاهدها بأنها خطوط مُستقاة من دراسة علمية حثيثة.

الخطوط تذكر بمسارات النجوم وبحلقات الثقوب السوداء وغيرها من مظاهر الكون الشاسع، بهذا أيضا يكرس الفنان فكرة مهمة جدا تجد جذورها في الفن الإسلامي وليس في الفن التجريدي الأميركي الذي كان له تأثير كبير على مسار نبيل نحاس الفني.

أما الفكرة المهمة التي بنى عليها الفنان العديد من لوحاته، فهي تقوم على اعتبار أن الجزئيّ والكليّ متماثلان في تركيبتهما، وذلك مهما كانا غير مرئيين للعين المُجردة، لعل هذه الفكرة هي المسؤولة بشكل أساسي على الغنائية المُفرطة والرصينة في آن واحد والبادية في لوحة الفنان.

عزف كوني فريد

ثمة صمت مهول في لوحة الفنان، إنه هدوء الهول، وهو يرتجّ كماء مضيء وكثيف حتى يصل إلى أعماق نفس الناظر إلى معظم الأعمال، نذكر من تلك اللوحات واحدة ليست من أقدم لوحاته وليست من أحدثها، إنها من المرحلة التي تبشّر بما سيحدث لاحقا في لوحات نحاس من تفجرات وإحالات كونية.

في بعض اللوحات تبدو الفوضى عارمة، ولكنها فوضى مُنظمة لها قوانينها الهندسية الصارمة التي تذكر بشكل كبير بعلم الهندسة الإسلامية

اللوحة هي تلك التي تصور جذع شجرة أرز أو نخيل أو أيّ شجرة، لا يهمّ، المهم هو أن في جذعها تجويفا غامض الحدود يفيض منه شلال ذهبي اللون إيقاعي ومديد، شلال وكأنه مشحون بسائل كونيّ مُشفر، فيه كل حقائق العالم إن استطاع البشر فكّ رموزه.

لم يعط الفنان عناوين للوحات، وكيف يعطيها عناوين مُحددة وهي لوحات متوسعة؟ ولذلك فهي قادرة على استيعاب معاني الوجود كلها، إذا ما وقف أمامها الزائر طويلا.

قد تبدو الفوضى عارمة في بعض اللوحات، ولكنها فوضى مُنظمة لها قوانينها الهندسية الصارمة التي تذكر بشكل كبير بعلم الهندسة الإسلامية وخاصة “بالهندسة الكسرية”، كما أن تبنيه لتقنية “الحافة الصلبة” التي تتميز بمضاعفة السماكة اللونية جعلت من لوحته صرحا متينا يصلح لأن يكون نقاط عبور لشتى أنواع التجليات الكونية.

هذا المعرض يُشكل من دون أدنى شك إجابة مستفيضة على سؤال طرحه الفنان على ذاته وأمام الآخرين يوم قدم أعماله في “مركز بيروت للمعارض” سنة 2010، إذ تساءل بهذه الكلمات “الطبيعة محور أعمالي.. لن أتخلى عنها كمصدر إلهام في لوحاتي، لكن الطبيعة عندي لا تقتصر على البحر، والأشجار، بل هي الكون بأسره والمجرات والكواكب.. لا أعرف إلى أين سيأخذني عقلي الباطني لاحقا، ولا أخطط لأي شيء في لوحاتي، لأنها مجرد رسوم عفوية، نابعة من القلب، وتعكس اهتماماتي والمعلومات المتراكمة لديّ”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر