السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

نظرية تدوير السلطات والمناصب في العراق

سياق عمل ومنهج دولة يمنحان توقيع رئيس الكتلة والحزب قوة الأمر، فلا نقاش في ما سنه وليس أمام رئيس الوزراء سوى التنفيذ من منطلق تدوير المحاصصة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/06/10، العدد: 10302، ص(9)]

لا يوجد معيار ثابت ولا واضح لمن يحق له، أو من لا يحق له، تقلّد الوظيفة الحكومية في العراق وصولا إلى أرفع المناصب.

ليس مطلوبا من المرشح أن يُثبت قدرات قيادية استثنائية ولا خبرات ولا تاريخ ولا منجز ولا مؤلفات ولا دراسات في حقل الاختصاص، خاصة في ما يتعلق بوظائف الوزراء ووكلاء الوزارات والمديرين العامين والسفراء.

ربما تطبق المعايير على مفاصل أدنى وتتخذ التدابير الصارمة لمنح وظيفة مدير إداري يتحكم ببضعة موظفين، أما المناصب العليا فلا لأنها مرفوع عنها القلم.

ظل هذا المنهج ثابتا منذ العام 2003، يكفي أن يوضع ملف من ورقة مهلهلة واحدة وتزكية من أحد أعضاء الحزب أو الكتلة ليتقلد ذلك الإنسان، متواضع المعرفة والتحصيل العلمي، منصبا وزاريا رفيعا أو سفيرا، والأمثلة أكثر من أن تحصى والمعنيون بالأمر مازالوا في المناصب أحياء يرزقون.

حدثني صديق دبلوماسي مخضرم أفنى عمره في العمل الخارجي، أن هناك موجتي تسونامي ضربتا وزارة الخارجية على عهدين كان آخرها في العامين 2012 و2013 عندما تم حشو السفارات بطواقم الدمج من سفراء وقناصل ومناصب أخرى ممن لا معرفة لهم بأبسط قواعد العمل الدبلوماسي، وأما جهل السفراء بأي لغة غير العربية فتلك كارثة أخرى، بل إن سفيرا في دولة أوروبية فضلا عن كونه لا يجيد لغة أجنبية فإنه يجد صعوبة في توصيل الكلام بسبب حالة التأتأة التي يعاني منها.

هذا الواقع الذي يمس عصب الدولة وأدواتها التنفيذية ظل الجميع متراضين عليه وصار أمرا معتادا أن يختار الحزب أو الكتلة، ما شاء من سلة المناصب، ثم ليفتش عن أكثر أعضاء الحزب أو الكتلة ولاء وشطارة وقدرة على إحالة المشاريع والمناصب لصالح الكتلة وتلك أقصى مهماته.

ثم اهتدت أحزاب السلطة إلى حيلة أخرى مفضوحة ألا وهي نظرية تدوير المناصب، وهي نظرية وفرت لأحزاب السلطة إمكانية خداع الرأي العام بأن هناك تكافؤا للفرص وعدم وجود عملية احتكار دائمة للمناصب، وهي خطة ساذجة لم تنطل على أحد ومثال ذلك أن يتقلد من كان وزيرا للإسكان والإعمار وزارة الداخلية، ثم يخرج منها ليتقلد وزارة المالية، ثم يخرج منها لينتقل إلى وزارة النقل والمواصلات، وهذا مثال حقيقي لأحد الوزراء الذي مازال يدور على الوزارات واحدة بعد الأخرى منذ 13 عاما حتى اليوم لا يرف له جفن.

بازار الأحزاب يتحكم بإمعان في السلطة التنفيذية في العراق، والأحزاب تقدم حنكتها في انتزاع الوزارات الأكثر ثراء. وتعميقا لنظرية تدوير المناصب تم استحداث آلية النقاط التي تحتسب عن كل وزارة، أما المناصب الأخرى كوكلاء الوزارات والمديرين العامين فلا يسيل لها لعاب الأحزاب ولا تشغل نفسها بها لأنها “كوتا” محجوزة سلفا لكل حزب وبإمكانه ترشيح من يشاء بلا اختبار كفاءة ولا تاريخ ولا منجز مهني.

كان هناك مقدّم برامج تلفزيونية منهمك في تلميع صورة رئيس حزب من أحزاب السلطة وإذا به بعد برهة في منصب مدير عام، ثم بعد حين مطرودا من الوظيفة بسبب السرقة، ثم بعد فترة مرشحا لمنصب رفيع جديد والأمر ينسحب على العشرات من هذا النوع.

سياق عمل ومنهج دولة يمنحان توقيع رئيس الكتلة والحزب قوة الأمر، فلا نقاش في ما سنّه وليـس أمـام رئيـس الـوزراء سـوى التنفيـذ مـن منطلق تـدوير المحـاصصة.

أما إذا وصلنا إلى مرحلة ما يسمّى “الإصلاحات والتكنوقراط”، فإن المؤكد أن الإجراءات التي تتعلق بهذه المرحلة سرعان ما ستصطدم بنظرية تدوير المناصب وإصرار الكتل والأحزاب قاطبة على الحفاظ عليها نهجا ثابتا في إدارة الدولة، ولهذا أيضا أُعيدَ أغلب من تمت إقالتهم أو قدموا استقالاتهم من الوزراء في سياق مسرحية التكنوقراط، لتبقى نظرية التدوير هي السائدة نهجا ثابتا في إدارة الدولة.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر