الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

كل شيء هادئ على الجبهة الأميركية

لا شيء يبدو هادئا على جبهتنا العراقية، والاحتلال الأميركي مهد لتأسيس جيش عراقي جديد غير كفء مهنيا باعترافه، وفيه ثغرات لدمج نسبة من الميليشيات الإيرانية فيه.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/06/11، العدد: 10303، ص(8)]

لم أقتنع يوما بوشاح تطرزه الابتسامات السريعة والجـاهزة للعـلاقات بـين الـدول، وما يمثله العمل الدبلوماسي وتبادل السفـراء ومستوى التمثـيل وحجمه وأهميته.

الدبلوماسية في جذرها اللغوي تعني الوثائق الرسمية المطوية، وهي استعارة لسياسة التفاوض والكتمان في المباحثات بين المجموعات أو الدول لمنع وقوع الأزمات والحروب وتذليل أسبابها.

لكن الحروب تقع، مع استمرار الدبلوماسية عن طريق وسطاء من دول أخرى أو حتى بين الدولتين المتحاربتين، ومن غرائب وقائع الحرب القاسية بين إيران والعراق في ثمانينات القرن الماضي، استمرار تواجد الدبلوماسيين في البلدين رغم تعقيدات ومصاعب الحياة اليومية لأشخاص عراقيين مازالوا أحياء، كانوا يمارسون عملهم تحت تلك الظروف الصعبة والمتوترة في سفارة العراق بالعاصمة الإيرانية طهران.

ظلت الجاسوسية مرتبطة ولصيقة بعمل السفـارات حتى حاضرنا، لأنهـا غاية أساسية في نشوء فكرة تبادل السفراء منذ القرون الأولى في عصر الإمبراطورية الرومانية؛ ولا نتفاجئ لأخبار طرد الشخصيات غير المرغوب بها من سفارة دولة ما، ثم طرد مماثل من قبل الدولة المعنية كتعبير عن رد كرامتها أو رفضها لتلك الإهانة، ومعظم تلك الحالات تحدث نتيجة تجاوزات أو انكشاف أدوار خارج الأعراف المنظِمة لعلاقات وواجبات العمل الدبلوماسي.

تبدو السفارات من وجهة نظر بعض السياسيين والمهتمين، مجرد هياكل لعلاقات شكلية، لأنها فقدت الكثير من صفاتها مع تطورات ومتغيرات التواصل وتوفر المعلومات وسهولة الحصول عليها؛ لكنها رغم تلك الآراء، تؤدي دورا استثنائيا في حالة تواجد سفير محترف يمتاز بالفطنة والدراية وقراءة عقل السياسيين في بلده، والأهم إدراك أسرار سياسة البلد الذي يعمل فيه.

تناط بالدبلوماسيين وخاصة العاملين منهم في الهيئات والمنظمات الأممية مهمات واسعة، كالتوسط لحل الأزمات وتقريب وجهات النظر وتقديم التقارير الموثوق بها لتكون في متناول المجتمع الدولي، كمـا في حالـة المبعوث ستيفـان دي ميستـورا لسوريا، على علات مواقفه وتناقضات تصريحاته ويأسه كسابقه الأخضر الإبراهيمي، لكنه يراهن على عمله الدبلوماسي للاستمرار في انتظار معجزات محتملة على مستوى السياسة الدولية والتوافقات أو اختلال موازين القوى المتحاربة على الأرض.

نفرمِل تقديمنا، لنتوقف عند تصريحات السفير الأميركي في المنطقة الأميركية الخضراء التي تضم حكومة الاحتلالين الأميركي الإيراني والمئات أو الآلاف من المستشارين وفي مقدمتهم قاسم سليماني الذي قدمه بفخر واعتزاز وزير الخارجية “العراقي” إبراهيم الجعفري بشكل رسمي، ضارباً بكل الحواجز النفسية والعملية للشعب، وعلى طريقة السايكو في فيلم هيتشكوك، وبطل الرواية الذي يحتفظ بجثة أمه في فندقه المنعزل وينفذ طلباتها طاعة وتقربا ويستلم منها الأوامر، لأنها تحيا في ذاكرته وتمارس عليه سطوتها الرهيبة، فينقاد لها وتتلبس وجهه قسماتها، ليبدو حائرا متقافزا بين طيات ذهنه؛ كما رأينا الوزير مدافعا بغضب عن شعب البحرين وهو يطلق النار على شعبه في العراق.

ستيوارت جونز، ولنسلم بالشكليات لنمضي في وصف وظيفته كسفير للولايات المتحدة الأميركية في العراق؛ صرح في مؤتمر صحافي بمقر أكبر سفارة في العالم “إنه لا يوجد أي شيء يمكن أن يؤكد وجود انتهاكات في الفلوجة” مضيفا أو مستدركا عن ضـرورة أن تكون كـل القوات المقاتلة تحت سيطرة الجيش؛ هذا يعني أن هناك قوات خارج المهمات المتعارف عليها في المعارك، وبدبلوماسية هادئة وَزّعَ عدالته الأميركية وبركات ديمقراطية بلاده مشيرا إلى دعمهـا بالتساوي لكـل القـوات التي تقاتل من أجل تحرير الأرض العراقية إن كانت قوات أمنية أو حشدا شعبيا أو بيشمركة، وإنهم، أي الأميركان، يقدمون النصائح والاستشارات إلى العسكريين العراقيين.

وعلى أرض الفلـوجة ومقترباتهـا يتـواجد سفير النوايا الإيرانية الحسنة قاسم سليماني المستشار العسكري للقائد العام للقوات المسلحة العراقية حيدر العبادي، وبرفقة القادة الآخرين من حجاج ولاية الفقيه؛ المستشارون حتما يلتقون والسفراء حتما يلتقون أيضا كما تلتقي خرائـط التنسيق في “تحـرير” مديـنة الفلوجة بين طلعات طيران التحالف بقيادة أميركا، وعدد ضرباتها 60 ضربة جوية كما جاء على لسان السفير جونز، على الفلوجة حصرا، وبمشاركة طائرات (B52) في الطلعات، العـراقيون يعـرفون دورهـا في التدمير الهائل للبنى الأساسية للعراق عام 1991.

وتطرق كذلك إلى القرض الأميركي للعراق لتمويل صفقة شراء أسلحة أميركية وتشمل طائرات (F16) ودبابات (M1) مؤكدا أن أميركا لا تدعم أي جهة إلا بموافقة الحكومة العراقية، ولم ينس السفير التذكير بالمساعدات المالية الكبيرة لبلاده إلى العراق لإخراجه من أزمته المالية، ودور أميركا في دعم العقدين مع الشركة الإيطالية بالمعدات التقنية لصيانة سد الموصل، مبددا المخاوف من انهيار السد، وتحدث عن جدولة تسليم 36 طائرة (F16) تم تسليم 6 منها لأغراض قتالية وتدريبية “واحدة منها سقطت بالتدريب”.

ذَكرَني السفير الأميركي في العراق برواية (كل شيء هادئ على الجبهة الغربية) لمؤلفها الألماني ريمارت، وتتحدث عن آثار الحرب العالمية الأولى وذاكرة الجنود المصابين بالخيبة عند عودتهم إلى بلادهم، وهم يشاركون الآخرين في البناء وإعادة الإعمار، لكنهم كانوا جيلا من بقايا “بشر” على قيد الحياة.

لا شيء يبدو هادئا على جبهتنا العراقية، والاحتلال الأميركي مَهَدّ لتأسيس جيش عراقي جديد غير كفء مهنيا باعترافه، وفيه ثغرات لدمج نسبة من الميليشيات الإيرانية فيه، وتوزيع رتب دون استحقاق علمي أو عسكري أو وفق السياقات المتبعة في الجيوش، وجيشهم هذا هو من سَلَمّ الموصل والمدن إلى داعش وألقى بمصير الآلاف من أهلنا إلى زمن الترويع وسوق النخاسة والإماء والجوع، إن كان ذلك بإرادة ممنهجة أو تجاهل، فالمصيبة في استرخاء الدبلوماسية الأميركية وما يصدر عنها من مسؤولين أو متحدثين “ناطقين” عنها أو سفراء.

إنهم يتخادمون مع إيران في سعيها لإبادة مكون مهم وأساسي وإهانته جسديا واعتباريا باستخدام مزدوج للدم العراقي، وتثبيت القاتل والقتيل في تبادل لعبة الثأر والانتقام والخاسر الوحيد هو الشعب العراقي.

لم يعد لنا عتـب أو نصائح لساسة المنطقة الخضراء، الذين لا يجدون مخرجا من فشلهم الذريع في إقامة دولة المواطنة، إلا بسفك الدماء بكل ثقة وهمة، لا شيء مهم فالكل ضَمِن مستقبله الشخصي مع عائلته بحماية السفارة الأميركية أو الإيرانية، وشاهدناهم كيف يتراجفون في “بروفة” الثورة العراقية الكبرى، بأحضان عدالة ستيوارت جونز الأميركية.

كل شيء هادئ على الجبهة الأميركية، وسياستها الخارجية تضع ساقا على ساق في مواجهة موجات محيط متقلب المزاج ومطويات شعوب فقدت الأمل، والصدمة أن تلتف الساق بالساق في لحظة الحقيقة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر