الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

في البحث عن نص مسرحي عربي جديد

  • خصصت مجلة “الجديد” اللندنية عددها لشهر يونيو الجاري للكتابة المسرحية. ننشر هنا افتتاحية العدد الذي اعتبر هدية للحياة المسرحية العربية. وجاء في كلمة العدد: هذا العدد هو الثاني الخاص الذي تكرسه “الجديد” خلال عام ونصف العام، بكامل صفحاته، لجنس أدبي. هذه المرة للكتابة المسرحية، شارك فيه بنصوصهم 17 كاتبا عربياً. وكانت “الجديد” كرست العام الماضي خامس أعدادها للقصة العربية القصيرة. ومن بين أهداف هذا العدد، كما أشارت “الجديد”، “تقصّي حال الكتابة المسرحية العربية ومآلاتها بعد قرن ونصف القرن من التأليف المسرحي في الثقافة العربية، وتشجيع الكتّاب العرب على الكتابة في جنس أدبي يتيح لأصوات المجتمع الحضور مباشرة في قلب السؤال الأدبي والفني في الثقافة العربية المنهكة من فكرة الصوت الواحد والميول الفردية الطاغية في الأدب، ومن شأنه أن يتيح للقرّاء وأهل المسرح على نحو خاص الاطّلاع على نصوص مسرحية عربية ألّفها كتّاب ومسرحيون من العراق، مصر، سوريا، فلسطين الأردن، السعودية، تونس، المغرب، اليمن. والتعرف على نصوص تغطي انشغالات وهموم وموضوعات وقضايا راهنة اجتماعية وسياسية وجمالية تغلب عليها الرغبة في توليد نص مسرحي عربي معاصر”، وتكشف في الوقت نفسه عن هموم متباينة وأخرى مختلفة داخل مجتمعات الكتابة. أخيرا، نعتقد أن نصوص هذا العدد ستمكن النقاد العرب الأدبيين والسوسيولوجيين من استكشاف فضاءات الجدل والحوار داخل هذه النصوص القادمة من جغرافيات عربية مشتعلة وأخرى تعتمل فيها الصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2016/06/12، العدد: 10304، ص(11)]

تخطيط: رزان صباغ

ننجز هذا العدد الخاص عن المسرح لنعيد تعريف الظاهرة المسرحية في المجتمع، فقد وقع في أذهان القراء العرب معنى المسرح مرارا من خلال تأريخ ودراسات ومقدمات وكلمات كثيرة قصدت تقديم المسرح للناس.

وظيفة هذا العدد ببساطة أن يتقصّى حال الكتابة المسرحية بعد قرن ونصف القرن من التأليف المسرحي في الثقافة العربية، وأن يتيح للقراء العرب وأهل المسرح على نحو خاص الاطّلاع على نصوص مسرحية عربية ألّفها كتّاب مسرحيون من العراق، مصر، سوريا، فلسطين، الأردن، السعودية، تونس والمغرب. وهي نصوص تغطي انشغالات وهموم وموضوعات وقضايا راهنة اجتماعية وسياسية وجمالية تغلب عليها الرغبة في توليد نص مسرحي عربي معاصر في لغة عربية فصيحة، وقد استبعدت هيئة التحرير نصوصا كتبت بالعاميات التونسية والمصرية والشامية؛ هي بحق نصوص ممتازة، لكنها لا تدخل في منظور هذا العدد ولا في توجهات “الجديد”، ويمكن في المستقبل تناول مثل تلك النصوص وتسليط الضوء عليها ولكن في إطار بحث وتقصّ يخصّان أدب العاميات العربية.

***

تنتمي النّصوص المسرحية التي يضمّها هذا العدد إلى أنماط مختلفة تتراوح ما بين المسرح الدرامي الحديث، ومسرح اللامعقول ومسرح ما بعد الحداثة، ومسرحيات المونودراما التي تتداخل فيها عناصر السرد والشعر والوثيقة والتشكيل عبر المونولوجات الدرامية للشخصية، وقد استقطبت الأخيرة طيفا واسعا من الكتّاب العرب الذين وجدوا فيها عملا تجريبيا يتيح فرصا معقولة لعدد من المخرجين المسرحيين والفرق الصغيرة، التي طالما أعياها البحث عن مساندين ومموّلين للأعمال المسرحية التي تتطلع إلى إنجازها على خشبات المسارح.

***

جلّ رواد المسرح والمهتمين بظاهرته يعلمون أن العرب عرفوا المسرح منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر مع تجارب مارون نقاش وأبوخليل القباني ويعقوب صنوع وجورج أبيض، وغيرهم، لكن الكتابة المسرحية لم تولد داخل الثقافة العربية وتتحوّل إلى نصوص وآثار ذات ميزات مطبوعة باللغة والهموم والأفكار والتطلعات العربية إلا مع النصف الأول من القرن العشرين، عندما تبلورت الأصوات والتجارب الأدبية الحديثة لجيل أدبي عربي تأثّر بالغرب، كتوفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقبلهم إبراهيم رمزي الذي كتب المسرحيات التاريخية والغنائية.

تعتبر تجربة مارون نقاش ابن صيدا هي الأبكر بين تجارب التأليف المسرحي بالعربية في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ “أبوالحسن المغفل وهارون الرشيد” و”الحسود السليط”، وغيرها. ويليه تاريخيا أبوخليل القباني الدمشقي الذي كتب “قهوة الدانوب” و”أنس الجليس″ و”نفح الربى” و”عفة المحبين” أو “ولادة” و”عنترة” و”ناكر الجميل” و”الأمير محمود وزهر الرياض” و”الشيخ وضاح ومصباح وقوت الأرواح”، ويعتبر النقاش مؤسس مسرح الأوبريت في الثقافة العربية. ويعاصره يعقوب صنوع في الربع الأخير من القرن العشرين، وقد ألف الكثير من المسرحيات التي ضاعت ولم يبق منها حتى منتصف القرن العشر ين إلا “موليير مصر وما يقاسيه”، لكن الباحثين العرب اكتشفوا بعد ذلك عددا من مسرحياته القصيرة ونشروها في ستينات القرن العشرين، وخصوصا الباحث محمد يوسف نجم.

بطبيعة الحال شكلت النصوص الحكائية الكبرى في العربية مرجعا ملهماً للمسرحيين العرب مثل “ألف ليلة وليلة”، “كليلة ودمنة”، “قصص الأنبياء”، “رسالة التوابع والزوابع″ لابن شهيد، “حي بن يقظان” لابن طفيل، كتاب “البخلاء” للجاحظ و”رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري وغيرها.

إعادة تعريف الظاهرة المسرحية في المجتمع

ولا يمكن أن نهمل نصوص خيال الظل في كونها مرجعا مهما للمسرحيين مخرجين وكتابا منذ مطالع القرن التاسع عشر.

على أن نصا جزائريا اطّلعت عليه خلال إحدى رحلاتي إلى الجزائر في نهايات القرن الماضي لا بدّ لنا أن نعدّه أحد أبكر النصوص المسرحية المكتوبة بالعربية، وأعني به “نزاهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق”، والذي كتبه ونشره في الجزائر سنة 1847 كاتب لم يدوّن اسمه على أيّ نص آخر هو أبراهام دنينوس، وكان موظفا في المحكمة الجزائرية. المسرحية تقوم على 22 شخصية بينها 8 أدوار نسائية، وكلها تنتمي إلى البيئة الجزائرية، وتتحدث عن قصة حبّ تدور أحداثها في مدينة متخيّلة، والعصر غير محدّد، وتقوم على حكايتين متوازيتين تستغرقان العرض المسرحي، وهي ذات نهاية سعيدة. وقد سبق لي أن كتبت مقالة استعرضت فيها هذا النص وعرّفت به لدى القراء العرب.

ظل السؤال عن قيمة التجارب المشار إليها وما عاصرها من تجارب قائما في النقاش حول تاريخ المسرح العربي وتاريخ الكتابة المسرحية. وقد اختلفت الآراء في جملة من القضايا المتصلة بتاريخ الظاهرة المسرحية وظواهر الفرجة في المجتمع العربي، ولكنّ الذي يعنينا خصوصا، هنا، مع هذا العدد، ليس السؤال حول تاريخ المسرح أو تاريخ العرض المسرحي، وإنما تقصّي تاريخ الكتابة المسرحية بالعربية، والواضح أنها بدأت من خلال التّماس مع نصوص موليير والمسرحيين الفرنسيين والإيطاليين خصوصا، ثم مسرح شكسبير في مرحلة لاحقة، وتأثرت بالنصوص الأصلية وبالترجمة التي قام بها رواد المسرح للأعمال المكتوبة بالفرنسية والإيطالية، ثمّ الإنكليزية.

***

لن نطيل في الاستعراض لكن يجدر بنا أن نشير إلى أن النصف الثاني من القرن العشرين هو زمن التأليف المسرحي ومعه ظهرت الأعمال التي يعتدّ بها كنصوص ألفرد فرج ومحمود دياب وصلاح عبدالصبور ونجيب سرور وعصام محفوظ ومحمد الماغوط ومعين بسيسو وسعدالله ونوس والعشرات غيرهم من كتاب المسرح الذين معهم فقط بدأنا نتعرف على نصوص مسرحية عربية معاصرة وعلى نضج فكري ووعي بجماليات التأليف المسرحي في العالم. ولعبت نصوص المسرح الشعري دورا مهما في التأسيس للمسرح العربي الحديث، على رغم الشروط الخاصة ذات الطابع النخبوي والأدبي، أساساً، التي حكمت تطلعات هذه النصوص وانعكست على صيغ العرض المسرحي ونوعية جمهوره.

ولكن هل صار لدينا مسرح عربي؟ هل تمكّنت الكتابة المسرحية العربية من التأسيس لمسرح عربي يمكن أن يضاهي بجمالياته وخصوصياته التجارب المسرحية في العالم؟ وهل يمكن الحديث عن نصّ مسرحي عربيّ معاصر يمكن أن يعالج ويعرض في العالم؟ وهل يسمح لنا هذا العدد، أولا وأخيرا، بأن نعثر في النصوص المنشورة هنا على تجارب جديدة تثري الحركة المسرحية العربية برؤى وأفكار ولغات فنية تعكس التموّجات الكبرى للمجتمعات العربية، والتحوّلات الجارية، وبعضها عنيف عنفا مذهلا ويشكّل، بالتالي، تحديّا للنصوص والمخيلات معا، وهو وينتمي بوقائعه إلى أرض التراجيديا الإنسانية؟

سؤال صعب. لكن هذا العدد من «الجديد» وهو الثاني الذي نفرده لظاهرة أدبية بعد عدد القصة القصيرة الذي قدّمناه العام الماضي، إنما هو خطوة أخرى في مغامرة البحث عن النص الجديد وفي رحلة تقصّي الأحوال الراهنة للظواهر والأجناس الأدبية في الثقافة العربية الجديدة.

شاعر من سوريا مقيم في لندن

لندن/ بوخارست ـ مايو 2016
تنشر الكلمة بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر