الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

سعيد الأحمد يبحث في'رباط صليبي' عن فضاء جديد للسرد

  • رغم حضور الرواية السعودية على منصة التتويج في العديد من الجوائز العربية والعالمية إلا أن عوالم هذه القارة الكبيرة ما زالت حبلى بمناطق جديدة للسرد، ومحاولة الكشف عنها تحتاج لمبدعين يقظين إلى صعوبة التفاصيل، لا سيما في المناطق ذات البعد الطائفي والقبلي بعد زمن التغيّرات النفطية الحادة التي أثرت على ملامح المشهد العام. الروائي السعودي سعيد الأحمد حاول أن يقتحم منطقة جديدة من مناطق السرد الروائي عبر روايته “رباط صليبي” من خلال تناوله للعبة كرة القدم التي تدخل في تفاصيل التفاصيل. فكان معه هذا الحوار حول تجربته وحول بعض القضايا الفكرية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/06/12، العدد: 10304، ص(13)]

قلة من الكتاب العرب تعرف حقيقة المنتج الروائي السعودي

بعد تردد طويل أصدر سعيد الأحمد مؤخراً روايته الأولى “رباط صليبي” عند دار مدارك للنشر. وقد نشر قبلها العديد من الترجمات لنصوص نثرية وشعرية من اللغة الإنكليزية إلى العربية، كما نشر مجموعة من المقالات النقدية في الصحافة المحلية والعربية، وصدر له كتاب بعنوان “عسس”، ومجموعة من النصوص في كتب مشتركة مع كتّاب آخرين، أحدها باللغة الإنكليزية بعنوان “sand birds”. وعمل الأحمد كمحرر ثقافي في الصحافة السعودية في الفترة ما بين 2003 إلى 2006، وترأس جماعة السرد في نادي الرياض الأدبي لفترتين (2005 إلى 2007) ثم (2009 إلى 2011). وبين يديه حالياً أربعة كتب يعمل عليها من عشر سنوات تقريباً، ثلاثة منها أقدم من “رباط صليبي”، لكنه لم يقرر بعد أيّها سيكون أولاً.

يقول الأحمد لـ”العرب”، “أعتقد أن الأقرب والأسرع سيكون جزءاً آخر لرباط صليبي، حيث حذفت ما لا يقل عن 130 صفحة من الرواية لأسباب فنية وتقنية، غير أنها كانت مادة مناسبة جداً لنص تابع وموازٍ للرباط”.

رباط صليبي

رواية “رباط صليبي” منطقة جديدة للحفر السردي والاشتغال الروائي. والقليل من الروائيين من نجدهم مدفوعين إلى هذه المناطق السردية المعقدة، ممّا يجعل القارئ يعتقد بأنها محاولة لتوثيق سيرة أو جزء من السيرة الذاتية للأحمد من خلالها يحاكم المجتمع ويعطي رأيه فيه ويحاول تفكيك معطياته الجديدة. وهذه المنطقة السردية (أعني كرة القدم) بطبيعة الحال لها جمهورها الساحق، الأمر الذي يجعل من الاختيار لها بوابة لفتح النوافذ الثقافية على جمهور جديد أيضاً.

عن ذلك يحدثنا الأحمد “كونها منطقة جديدة لم تكتب، فهذا ما جعلها مغرية لي، بكل ما فيها من تحديات. أمّا من ناحية جنس الرواية فهي ليست سيرة ذاتية أبداً، بل شاهد تخييلي على مرحلة زمنية شهدت مجموعة من التحولات الاجتماعية ‘خارج ملعب’ رباط صليبي، فشخصيات الرواية كانت ديناميكية جداً، ومتحركة بخفة ورشاقة (صانع ألعاب) داخل الملعب وخارج أسوار النادي أيضا؛ في بطون البيوت وبأزقة الأحياء، تؤثر في محيطاتها، وتتأثر بواقعها، وحتميات التحول الاجتماعي الذي انخرطت فيه هذه الشخصيات قسراً بمعطياته وظرفياته”.

ويتابع الأحمد “حقيقة لم أفكّر أبداً في الجمهور وقت الكتابة (الطويل والمضني جداً)، ولم يكن لديّ -بعيدا عن هواجس الكتابة، تنمية الشخصيات على مدى عمر النص، ضبط أزمنة الحكاية والدلالات والإكسسوارات التي تمنحها هويتها، وتقنية السرد مع تربيط مفاصل النص- سوى هاجس وحيد، وهو هاجس احترام عقل المتلقي، وعدم الاستخفاف بذكائه وذائقته. لو كان حصد الجماهيرية هاجساً لديّ لاخترت الطريق الأسهل والأقصر، وهو كتابة رواية عاطفية أوراقها رقص العناق وحبرها دموع الفراق، وبهاراتها بعض “السريريات”، وتركت لأصدقائي مهمة إحصاء جماهيري الغفيرة عندها (لأني حكون مزحوم كثير وقتها وما عندي وقت أعد الجماهير)”.
(رباط صليبي) رواية ذكورية جافة جداً، وليست بها رائحة عطر نسوي، إذا استثنينا -حسب الأحمد- الرائحة المتخيلة لعطر 'نوسه' و'آنا كارنينا'

كرة القدم

كما يعلم القرّاء فإنه من الكتب المهمة التي ترجمت إلى العربية في السنوات القليلة الماضية عبر دار طوى كتاب “كرة القدم بين الشمس والظل” للكتاب الأوروغواياني دواردو غاليانو. الأمر الذي جعلنا نسأل الأحمد عن مدى سطوة هذا النص وحضوره على رواية “رباط صليبي”.

يجيب الأحمد “غاليانو من أقرب الكتاب العالميين إلى قلبي، أعشق شذراته ونصوصه القصيرة، لذا شكّـل كتابه “كرة القدم بين الشمس والظل” رعباً كبيرا في نفسي منذ أن عرفت عنه. بدأت في كتابة “رباط صليبي” قبل أكثر من سبعة أعوام، وعنونتها في ذلك الوقت بــ”ستة ياردة”، وبعد أن أمضيت ثلاثة أعوام في الكتابة -أي قبل أربع سنوات تقريباً- لمحت كتاب “كرة القدم بين الشمس والظل” لدى دار طوى بمعرض الرياض للكتاب. دخلت منذ ذلك الوقت في صراع شرس مع نفسي؛ بين مطرقة رغبتي العارمة في اقتناء وقراءة الكتاب وبين سندان إصراري على عدم قراءته قبل أن أنتهي من روايتي، خشية أن يسحرني غاليانو -كعادته- فأتوقف عن إتمام روايتي، التي ستصبح حتماً عبث صبية محض؛ من وجهة نظري لو قرأت غاليانو. انتصرت أخيراً لسندان الإصرار فلم أقرأ “كرة القدم بين الشمس والظل” إلى هذه اللحظة، غير أنّني عرفت من صديقي عادل الحوشان وصديقي ضيف فهد أنها كتاب توثيقي وتاريخي، كتب بلغة الفنان المذهل، وليست رواية، ولا أنكر أن ذلك أراحني كثيرا”.

لو تعمقنا سيكولوجيا واجتماعياً في دلالات لعبة كرة القدم، فإننا سنجدها لعبة تسهم في تعزيز الفرص للانتماء لحالة الجماعة ذات المدلول العام الذي يمكن قراءته ضمن الانتماء للطائفة أو للقبيلة. إنها فكرة يتبناها ويناضل الجميع من أجلها. هذه الدلالة المعرفية مخالفة لمشروع المثقف اللامنتمي، الرافض للترويض والقولبة الجماعية. وكأن الأحمد من خلال روايته يدعو لكسر حاجز عزلة المثقف.

يعلّق الأحمد على هذا الرأي قائلاً “سأبدأ إجابتي بهذا المقطع من رواية رباط صليبي (عنوان الفصل الرابع ‘الوصول إلى الهدف لا يتم بمهارة فردية’.. وبهذا الفصل، قال خالد السعد ‘ستخذلك قوتك، ومهارتك وتأثيرك الكاريزماتيكي، وعليك فقط أن تعرف جيداً كيف تتسق وتتناغم مع أداء الآخرين للوصول إلى نتيجة جمعية منظمة تحقق الأهداف. فعرف اللعبة الجماعية الجديد يحتم عليك التخندق داخل مساحاتك المحدودة، وبذل كل الجهود المفترضة للإبقاء عليها حصينة منيعة؛ هذه القاعدة الجديدة التي تتعلمها بعد بضع خسائر وصدامات توصلك إلى حتمية أنك لست هدية الله لهذا الكون، وأنك لا تستطيع وحدك، بمعزل عن الفريق، إعادة تصنيع التاريخ’ (انتهى الاقتباس). لذلك سأقول لك بالبلدي ‘يا ليت كل مثقفينا ومنظرينا ومشايخنا ودعاتنا من كل المذاهب والمناحل والملل والجهات يشجعون كرة قدم وينتمون إيجابيا إلى الفريق، فيصلوا إلى قناعة أنهم ‘ليسوا هدايا الله لهذا الكون’ وكل منهم قادر على إصلاح البلد بمعزل عن ‘المنتخب الوطني’ -اللي هو فريقنا الأول.. واللي منهم عاوز يلعب في منتخب ‘مرسي’ أو ‘أردوغان’ أو ‘خامئني’ وإلا ‘أبو بكر البغدادي’ يوقع عقد احترافي معاهم ويعلن قيمة العقد بصراحة وشفافية عشان نستثنيه -بلا طموح ولا ضغائن- من قائمة منتخبنا الوطني، ونكمل المباراة باللاعبين اللي على دكة الاحتياط”.

منطقة جديدة للحفر السردي والاشتغال الروائي

يتفق معنا الأحمد أن “رباط صليبي” رواية ذكورية جافة جداً، وليست بها رائحة عطر نسوي، إذا استثنينا -حسب الأحمد- الرائحة المتخيلة لعطر “نوسه” و”آنا كارنينا”، والتي لم يشمها خالد السعد أو فهد عايش سوى من خلال ورق الروايات، ومع ذلك اقتتلا على حالة الحب المتخيلة تلك. يقول الأحمد “في المجمل؛ كيف يمكن أن تتخيّل نزول الأخوات والأمهات لأرض المعركة -معلب كرة القدم الصغير أو الكبير- في زمن حكاية رواية رباط صليبي، وهنّ لم ينزلن أرض معارك الحياة إلى يومنا هذا إلا بشكل مهمّش وطفيف! لو منحتها دوراً وحضوراً في الرواية، لتحولت روايتي من المدرسة الواقعية إلى المدرسة ‘الفانتازية’، وهي المدرسة التي لم أقرّر كتابتها بعد”.

للأسف الشديد، فإن القليل من الكتّاب العرب من يهتم بمعرفة حقيقة المنتج الروائي السعودي خارج “الصندوق” الذي يفترض بأن مثقفي النفط لا يمتلكون أسئلتهم ورؤيتهم العميقة للكون والحياة. وهنا تكمن المفارقة الكبيرة التي يقع فيها المثقف العربي حين يقترب من المنتج الثقافي الخليجي بالعموم، والسعودي بوجه أخص. متورّطاً بالنسق الجاهز. ليجد نفسه مندهشاً من الحقيقة المرّة “معقول أنت سعودي!”. ويواجه الأحمد هذا الاستعلاء باستعلاء شفيف ومتواضع جداً، يشبه كبرياء ورقّة وشفافية معلمي العظيم “تشيخوف” عندما قال للمدرس المتحذلق، مدّعي الثقافة والعمق والتجاوز لبقية مدرسي الريف الروسي “أيها المدرس المثقف الفيلسوف؛ سمعت أن المدرسين يضربون الأطفال الفقراء في المدرسة التي تعمل بها.. هل لديك علم بذلك؟”.

ويرى الأحمد بأن “الخطاب الصحوي في السعودية خلال أكثر من ثلاثين سنة لم يتبدل في مضامينه أبداً، غير أنه مرّ -ولا يزال- بعدة تحولات مظاهرية. ويمكن أن نقول عنها هي تحول مفرداتي لا أكثر، فالمضمون ذاته يعاد تمريره بمفردات أكثر لطفا. بالمختصر؛ الخطاب الغاضب من جميع المخالفين أصبح مبتسماً بعد أن كان متجهّماً، غير أنه لم يبدل حدة مضامينه”.

وفي المقابل يلفت الروائي الأحمد إلى أن “المثقفين العرب منقسمون ليس بعد الربيع العربي، بل من أيام الخريف. ثقافتي ومعارفي المحدودة لا تمنحني أحقية الإجابة على مثل هذا السؤال، فما أعرفه – حسب درايتي الشحيحة جداً- أن المنقسم لا يمكن أن يقسم. ذكرني متى التأموا كي أتذكر متى حدث الانقسام!

كاتب من السعودية

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر