السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السؤال السني تحت أسوار الفلوجة: هل المستقبل لإيران؟

هناك أمر فوق كل التصورات يجري ولا شك. سنة العراق لا يهمهم الماضي الآن إنهم تحت أسوار الفلوجة نازحون ويسألونني ما هو المستقبل؟ هل المستقبل لإيران؟

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/06/12، العدد: 10304، ص(6)]

سنة العراق يريدون إجابة فكرية منّي ورسائلهم كثيرة. سؤالهم واضح هو إذا كانوا سيتحوّلون إلى أقلية مستضعفة، وهذا مفهوم. ماذا عليهم أن يفعلوا للمستقبل؟ لقد شبعوا من قناة البغدادية والجزيرة والفضائح وغيرها، لقد أعياهم التهريج والردح وشتم إيران.

يريدون منّي الإجابة هل المستقبل للمحور الإيراني؟ وإذا كان المستقبل في المنطقة شيعيا ما هي خياراتهم للتعايش؟ لقد فقدوا الثقة بالدول السنية القلقة هي الأخرى على أنظمتها. عندهم قناعة الآن بأنهم قد خدعوا وتحولوا إلى مصدات دفاعية وعبرة لغيرهم.

الدول المجاورة تبدي مرونة كبيرة مما يشي بقلق. المكون السني يبحث عن أبطال غير موجودين، يريد مثقفين يمثلونه ويمثلون قلقه بشكل مقنع. لم يعد مجديا الانطلاق من الدين، فقد اكتشفوا خدعة النصوص وانتهازية رجال الدين. كما ليس مجديا الدوران في حلقة مفرغة من شتم إيران.

ما العمل وما هو المصير وكيف سيكون المستقبل؟ هل من الممكن أن تعمل الولايات المتحدة على دعم المحور الإيراني؟ عمليا هذا ما يجري اليوم على الأرض وهناك مشروع استراتيجي كبير. بعد داعش السنة نازحون وأرض محروقة بحاجة إلى دعم من الدولة العراقية. إعادة إعمار وتوطين ودور في المستقبل.

السنة يتساءلون ما هو المستقبل؟ إنهم لا يفهمون ما حدث لسوريا ولا ما حدث لهم. من الذي قام بإدارة هذه الحرب على حكومات ودول؟ كيف أن السوريين مثلا قدّموا 11 مليون نازح ونصف مليون قتيل لأجل هدف غامض غير معروف، هل تغيير نظام يستحق كل ذلك؟

الدول المجاورة تبدي مرونة شديدة توحي بأنها في دوامة، على سنة العراق القيام بإعادة صياغة ثقافية. إنهم يعلمون ذلك وهذا واضح من شغفهم بالقراءة وطرح الأسئلة. الشغف ليس له مثيل ويدلّ على قلق كبير، يريدون أفكارا وحلولا وليس “عركات” وشتائم.

لقد ملأ العرب أطنانا من الصحف حول الجنرال سليماني ثم خرج وزير الخارجية إبراهيم الجعفري ليقول إنه مستشار عسكري بصفة رسمية من الحكومة العراقية الشرعية، وانتهى الأمر.

سنة العراق عندهم مشكلة أخرى، هي فقدانهم الثقة بالجميع. لقد تم خذلانهم مئات المرات وخاب أملهم. خذلهم البعثيون بإصرارهم على رفض الواقع والحاضر، لقد منعوهم من العيش في الصحو ودفعوهم إلى الغيبوبة، والإسلاميون خدعوهم بفكرة الإقليم، تماما كما خدعهم البعثيون بالعودة والحكم في بغداد.

لقد تم إحداث تمزيق شعبي في كل الاتجاهات، وفي النهاية وجدوا أنفسهم تحت حكم داعش والخلافة، كأنهم في فيلم سينمائي تاريخي يدفعهم نحو الموت.

رجل نحيل هالك غارت عيناه من الجوع في الفلوجة يقول للجنود العراقيين لقد ورطونا وهربوا إلى بلاد بعيدة، وجوههم تنضح بالصحة ووجوهنا صفراء من الجوع والحصار، وما زالوا يزايدون على دمنا في الفضائيات بكروشهم المتخمة.

إن القنوات الفضائية المدعومة من جهات غامضة تدفعهم ليكونوا حطبا، تدويخ وتدويخ وخداع وكلام كثير مدمر. الناس عندهم سؤال بسيط، هل المستقبل في المنطقة لإيران؟ وإذا كان الأمر كذلك كيف سيتعايشون مع هذه الحقيقة؟

شباب الموصل يقولون هناك خدعة كبيرة. كيف يمكن أن تبقى كنيسة الاعتكاف السرياني المقدس “مار متي” من القرن الرابع الميلادي حتى اليوم مأهولة ومضاءة بالشموع والنبيذ وتستقطب التلاميذ والروحانيين ولم يعتد عليها أحد قبل اجتياح داعش للموصل عام 2014.

المحاربون الساسانيون والعرب والسلاجقة والمغول والصفويون والعثمانيون مروا بالقرب من كنيسة مار متي ولم يجرؤ أحد على الاعتداء على الكنيسة التاريخية. لم يفعل ذلك سوى داعش قبل عامين. كيف يمكن أن يعيش الأيزيديون من فجر التاريخ حول جبل سنجار ولم يُعمل أحد فيهم السيف أو يجبرهم على الإسلام قبل داعش؟

أهل الموصل يقولون هناك شيء غامض فيما يجري وهو ضدّ كل التصورات المطروحة. ولهذا عندهم قلق كبير على مستقبل المدينة ومصير أهلهم ويريدون معرفة ما يجري بشغف كبير.

هناك شيء مخيف ينطوي على ظهور جماعة تهدم الآثار والكنوز الإنسانية في نينوى، وتذبح الأيزيديين وتسبي نساءهم وتبيعهن وتعلن عن عودة “الرق” وتجارة البشر علنا بلا رحمة، وتطرد المسيحيين السريان الذين هم سكان الأرض الأصليين وعماد ثقافتها وعلومها ونهضتها العلمية والفنية.

هناك أمر فوق كل التصورات يجري ولا شك. سنة العراق لا يهمهم الماضي الآن إنهم تحت أسوار الفلوجة نازحون ويسألونني ما هو المستقبل؟ هل المستقبل لإيران؟ وماذا نفعل لنعيش في العصر الجديد؟ لم تعد عندهم ثقة بالعرب.

العرب اليوم يقولون العدو هو إيران، وفي اليوم التالي يقولون إيران دولة مسلمة وجار مهم والعدو هو الإرهاب، وفي النهاية لن تسقط الصواريخ الإيرانية إلا على بيوتهم، ولن تحلق الطائرات السعودية إلا فوق مدنهم. سنة العراق في تعب عقلي فوق تعب الحصار والجوع والتشرد والإذلال، وقد فقدوا ثقتهم بالجميع.

يريدون منك أن تقول لهم كصديق وأخ ما العمل؟ مع كل هؤلاء المعوّقين والمرضى النفسيين والبيوت المهدمة ورائحة داعش التي تطاردهم في العراق.

لا توجد عندهم طاقة للشتم ولا لتحميل هذا الطرف أو ذاك المسؤولية. أهالي الفلوجة الذين نجوا بأرواحهم لا يتفرجون على الأخبار وليس عندهم استعداد لسماع المزيد من اللغو. لقد وجه لي بعضهم سؤالا عن المستقبل بسبب ثقتهم وحسن ظنهم.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر