السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الدولة الراسبة: التعليم العربي يواجه ضعف التكوين وجشع السوق

المدرسة تحولت إلى آلة تفريخ للملايين من أصحاب الشهادات، يحفظون ولا يعرفون، متعلمين وليسوا متكونين.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/06/13، العدد: 10305، ص(6)]

عندما ينسحب الفشل في إدارة امتحانات البكالوريا على ثلاث دول عربية على الأقل وهي مصر والجزائر وسوريا، وتتحوّل مواضيع الامتحانات إلى مادة للهزء والسخريّة بين أيادي الممتحنين قبل موعد إجراء الامتحانات، فهذا لا يمكن إلا أن يدعم مقولة “الدولة الفاشلة والراسبة” في الإدارة والحكم.

من الطبيعي في دول عربية ينخرها الفساد المتحالف مع الاستبداد، أن تعمّ الفوضى والمحسوبيّة والرشوة كلّ مؤسسات الدولة، مقوّضة كلّ شروط البناء ومقدّمات العمران البشريّ.

من الواضح أنّ منظومة التعليم في العالم العربي تنهشها الضبابيّة في الرؤية والمقاربة، وتدحض عملية تأصيلها الفكري والثقافيّ التصوّرات التعليمية والتربوية للجهات الدولية الدافعة والرامية إلى تحويل التعليم إلى مرحلة تكوين تقنيّ تخرّج “مؤهّلين” لحاجيات السوق المحلية والإقليمية والدولية، بشكل تستحيل معه المدرسة إلى آلة تفريخ للملايين من أصحاب الشهادات، يحفظون ولا يعرفون، متعلّمين وليسوا متكوّنين، يفقهون من العلم شذرات قليلة من “التقنية”، ولا يدركون ماهيته وطبيعته ولا مسارات تطوّره.

وعندما تحكم مخرجات السوق مدخلات التربية والتعليم تكون المحصّلة مثل التي نشاهدها حاليا في جامعاتنا العربية: تكوين على شاكلة وجبة “فاست فود”، سريع وقصير ومكثّف، طلبة يبحثون عن أقصر الطرق التحاقا بسوق الشّغل وأساتذة جامعيون يجهدون لتحويل المادة التدريسيّة من سياق “المعرفة” إلى فضاء “التقنية”.

المفارقة أنّ براغماتية السوق وصلت اليوم إلى طريق مسدود حيث أبانت رأسمالية الدولة ورأسمالية المؤسسات الليبيرالية عن عجز وقصور تامّين لاستيعاب المتخرجين الذين يتناسلون سنويا بالآلاف ليستحيل هؤلاء إلى قنبلة موقوتة ستنفجر عاجلا أم آجلا في وجه قادة “الدولة الراسبة” في امتحان التربية والتشغيل.

والمفارقة الأكبر أنّ “الدولة الراسبة” خسرت استحقاق تكوين جيل مثقف وواع ومتعلّم قادر على تفهّم مقتضيات الحال والمآل، بشكل يستطيع أن يجترح من آلام الواقع آفاقا للأمل، وفشلت أيضا في استيفاء عهودها لأجيال تدرس حاليا وفق منظومة “إمد” (إجازة وماجستير ودكتوراه)، استبطنت مقولة أنّ الدولة تحضّرها لسوق التشغيل، فإذا بها حين تتخرّج لا تجد لا سوق ولا تشغيل ولا دولة تتحمّل مسؤولياتها في اجتباء مسلكيّة “تفقير التفكير”، حيال أجيال من الشباب باتوا اليوم كهولا في انتظار “الوظيفة”.

كان ملفّ التعليم بالنسبة للكثير من الدول العربية التسلطية والاستبداديّة عنوان فخر وحجّة تأسيسيّة في مقولة نجاح الدولة الوطنية في رفع الأميّة وتأمين الخدمة العامّة الأساسيّة لمواطنيها.

ولئن كانت الجامعات العربية في معظم الأقطار العربية مدار نقاشات فكرية وسياسية وثقافية عميقة، وكانت مخاضا معرفيّا لإنتاج جيل من المثقفين والمتخصصين تجاوزوا في إتقانهم لعلومهم أقرانهم في الجامعات الأوروبيّة، إلا أنها اليوم أصبحت تكريسا لمقولة فقدان العدالة الاجتماعية في مجال التربية والتكوين.

إذ بمقتضى “الخصخصة” المتغذية من الدولة المستقيلة من قطاعات الخدمة العامة الأصلية (التعليم والصحة وحتّى البعض من الشعائر الدينية كمناسك العمرة والحج) بات التكوين الجيّد الموصل للتوظيف مقرونا بالمدارس والمعاهد والجامعات الخاصّة، في حين أنّ المناهج التعليمية القديمة والفقيرة شكلا ومضمونا والتي لا تفضي بالتأكيد ولا بشكل من الأشكال للتوظيف مرادفة للتعليم العامّ المجانيّ.

هنا تنقسم الأجيال ويتفرّق المجتمع وتضيع اللحمة الشعبية وفق المقوّمات المالية القادرة على استدرار تعليم جيّد وتأمين وظيفة عالية، عوضا على أن يكون التعليم العام والمجانيّ حاضنة شعبيّة تذوب فيها الفوارق الطبقية والانتماءات الجهويّة والانحيازات الفكرية والسياسية تكريسا لمبدأ المواطنة، يصير لبنة للتفرقة الاجتماعيّة ولإثارة الحساسيات الجهويّة.

وفي تقدير صاحب هذه الأسطر فإنّ خصخصة التعليم ليس سوى واحد من مخرجات خصخصة التوظيف، إعلانا عن نهاية “الخدمة العمومية من الدولة الوطنيةّ”، وتدشينا لمسار تحكّم السوق في التربية والتكوين والانتداب.

ما كان لامتحانات البكالوريا في الجزائر ومصر وسوريا أن تظهر بمثل تلك الصورة من الاستخفاف، لولا استبطان القائمين على الامتحانات ومن بعدهم الطلبة لفكرة أنّ الدولة موشكة على أن تعلن استقالتها من مضمار التكوين والتعليم، بعد أن رسبت في امتحان التثقيف والتوظيف.

كاتب تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر