الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

فيسبوك 'الدعاة الجدد'

في فترات التردي تتراكم مظاهر التغييب، والسطو على وعي المواطن ووجدانه، باسم الوطنية، وباسم الدين. يتحالف الطرفان في اقتسام مساحة التخويف، وإشاعة اقتراب أخطار تهدد الوطن والدين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/06/14، العدد: 10306، ص(9)]

في 16 يونيو 1988 توفي عالم الاجتماع سيد عويس. لم يمهله القدر لرصد آثار الانفجار الكوني، في السنوات العشر الماضية، عقد فيسبوك الذي أتاح ديمقراطية غير مسبوقة، تخترق أسوار الشعوب السجينة، وتتسلق حواجز الجغرافيا، وتتجاوز عوائق اللغات، إلا أن الموقع لم يحظ بقدر كاف من دراسات وبحوث عن تأثيره السياسي والاجتماعي والسيكولوجي، إسهامه في إسقاط أنظمة مستبدة، وتأسيس علاقات افتراضية أكثر واقعية من علاقات تقليدية، فضلا عن وجهه الآخر في إشاعة ثقافـة معلوماتية أفقيـة، وترسيخ “جيتوهات” أقرب إلى الحصون للوقاية النفسيـة، ونسف صـداقات تـاريخية، وتحطيم علاقات أسرية، اندفاعا وراء الاستسهال، والميل إلى التعميم، والاكتفاء بالتقاط كلمة من هنا، وشائعة من هناك، وتبني آراء حادة، واتخاذ مواقف يقينية خشنة، يمكن النظر إليها كأحد تجليات الديمقراطية حين يمارسها مبتدئ غشيم في سن متأخرة، من دون أن يتلقى، في سن مناسبة، تربية تؤهله لتقبل المختلف، وتحثه على الدفاع عن وجهات نظر لا تروقه، ففتح له فيسبوك بابا واسعا يضيقه على غيره، إلى حد التحريم.

في كتابه “هتاف الصامتين: ظاهرة الكتابة على هياكل المركبات في المجتمع المصري المعاصر” بحث سيد عويس عما وراء الكتابات على السيارات (الخاصة والنقل والأجرة والحافلات) وعربات الكارو وعربات المشروبات والمأكولات الشعبية. كلمات وأدعية يرجون بها سعة الرزق، والسلامة من شر الطريق، ودرء الحسد. وفي كتابه “من ملامح المجتمع المصري المعاصر: ظاهرة إرسال الرسائل إلى ضريح الإمام الشافعي” تقصى أسباب إدارة الضعفاء والمظلومين ظهورهم لمن بأيديهم الأمر، والتماسهم العدل في رمز للعدل، فيكتبون إليه شكاواهم على سبيل الشفاعة. اتسق هؤلاء الشاكون مع ثقافتهم وقلة حيلتهم، فأغلبهم لم ينل حظا من العلم. أما من يتوجهون إلى الله بكتابات متواصلة على فيسبوك فليسوا أميين، ولا تنقصهم المعرفة بأن الله ليس له حساب في مواقع التواصل الاجتماعي. في الغالب لا يكتبون إلى الله عبر تويتر؛ فمئة وأربعون حرفا لا تتسع للثرثرة، في موقع يمتاز بالتقشف، ولا يمنح فرصا كافية للنفاق الديني عبر تفاعلات سريعة ويسيرة تميز فيسبوك.

في فيسبوك صفحات أنشأ بعضها محبون، وبعضها “رسمية” لمن يحملون لقب “الدعاة الجدد”. شبان بمظهر عصري يتقربون إلى الناس بالتخلي عن الجلباب وغطاء للرأس يستر الشعر، ولا يظهر من جسد الواعظ التقليدي المتأثر بالسلفية البدوية إلا الوجه والكفين. أما “الداعية الشاب” الذي يمتهن دعوة المسلمين إلى الإسـلام فيرتدي التيشيـرت والجينـز، ويتمتع بوسامة يلزمها ذقن حليق، وابتسـامة مصطنعة لا تخلو من استعلاء يفشـل في إخفائه، ويلجأ إلى اللهجة الدارجة، المائعة أحيانا، مع تطعيمها إن لزم الأمر أو لم يلزم بكلمات إنكليزية، فضلا عن كتابـة بوستات إلى الله بالإنكليزية، كما كتب معز مسعود: May Allah accept our fasting.. Amen

قراءة سريعة لصفحة مسعود، تشير إلى أنها مضخة ذات اتجاه واحد، تبث أخباره وإعلانات عن برنامجه التلفزيوني، وأدعية إلى الله الأقرب إليه من حبل الوريد، فيستجيب الآلاف إعجابا، ولا يرد على من يناقشه، تاركا هذه السفاسف للمتابعين، وعددهم 7.271590 من هذه الأدعية “يا إلهي ومليكي.. أنت تعلم كيف حالي.. وبما قد حلّ قلبي.. من هموم واشتغال.. فتداركني بلطف.. منك يا مولى الموالي.. يا كريم الوجه غثني.. قبل أن يفنى اصطباري”. لم يشر “الداعية الشاب” إلى صاحب الدعاء الإمام عبدالله الحداد، ولا يعنى المتابعون بهذا الأمر، وقد سارع 4085 مريدا إلى نيل شرف مشاركة الدعاء في صفحاتهم، وأبدى الآلاف إعجابهم، وبكى دمعا 617، ولكن أحدهم تساءل: كيف نقول لله “غثنى قبل أن ينفذ اصطباري! كأننا نقول لربنا يا تعمل لنا اللي احنا عايزينه يا إما لن نتبع كلامك! الصبر ربنا أمرنا به. ربنا بشر الصابرين. واجبي أني أوضح لك..أكيد في دعاء أكثر تهذبا”، وبالطبع لن يتواضع الداعية النجم ويجيب عن هذا الاستنكار.

حين أراد معاوية اختبار عزيمة أبي ذر الغفاري، وإخلاصه في دعوته، أرسل إليه ألف دينار، وفي الصباح احتال لاستردادها، ففوجئ بأنه فرقها كلها. كما لم يعلن أبو ذر أنه وزع المال على المحتاجين، فلا يضطر من اطمأن قلبه بالإيمان إلى رفع صوته بالدعاء، فعليا أمام الناس أو افتراضيا في صفحته على فيسبوك؛ ليس لثقته بأن الله ليست له صفحة فيسبوكية، وإنما لأن علم الله بحاله يغني عن سؤاله، وإيمانه بآيتي “ادعوا ربكم تضرعا وخفية”، “واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول”. وتكفي الآيتان دليلا على أن انتشار أسطوانات الأدعية التي يتباكى فيها المنشدون نوع من التجارة بالدين، تشجع عليه السلطات القامعة.

في فترات التردي تتراكم مظاهر التغييب، والسطو على وعي المواطن ووجدانه، باسم الوطنية، وباسم الدين. يتحالف الطرفان في اقتسام مساحة التخويف، وإشاعة اقتراب أخطار تهدد الوطن والدين، فلا يفكر المواطن الطيب في حرياته المنقوصة، واستلاب صار ضحية له، ويكون من الترف أن يستنكر استبدادا لا يخفى على عاقل أو متوسط الذكاء، ولن يعي أن حريته هي الضامن الأكبر لسلامة الوطن والدين. في الخطاب الرسمي المصري تبرير لتقييد الحريات، واستمرار قانون حظر التظاهر غير الدستوري وغير الإنساني، بدعوى الحفاظ على دولة وصفها عبدالفتاح السيسي بأنها أصبحت شبه دولة. وعلى الجانب الآخر يتبنى نجوم “الدعاة الجدد” خطابا يدل على أن الإسلام أصبح شبه دين، وفي أحسن الأحوال صار دينا هشا يخشى على أتباعه، الذين صاروا ضعيفي الإيمان، من أخطار الإلحاد.

فمعز مسعود يعلن في صفحته عن برنامجه التلفزيوني: كل من سأل، برنامجي القادم “الباحث عن الحقيقة” هو عبارة عن رحلة هانفكّر فيها بالعقل وندوّر على إجابات لأسئلة مهمة كتيرة… منها الآتي: هل الإيمان بوجود إله خرافة و”دوجما” وتصديق دون دليل؟ هل الإلحاد هو الموقف العقلاني الصحيح؟ هل قضى العلم التجريبي على صحة الاعتقاد بوجود إله؟ هل المادة هي كل ما في الوجود؟ مش يمكن الغيب خرافة؟ ألم تقضِ نظرية الداروينية الحديثة على تصوّر أن الإنسان مخلوق بإرادة إله؟ ألم تقضِ تطورات علم الأعصاب على تصوّر أن للإنسان وجودا بعد موته؟ هل هناك أدلة حقيقية.. علمية.. عقلية.. على أن الكون وُجد بقدرة إلهية؟”.

خطاب، كما ترى، جاهلي مكيّ يصلح لكفار قـريش، ولا يليق حتى بالمـرحلة المـدينية في الدعوة الإسلامية، وإثارته تداعب العاطفـة الدينية للبسطاء، فينصـرفون عن أسئلة اللحظة، ويفوضون أمور دينهم ودنياهم للاستبداد المزدوج.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر