الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

تعلم جملة أخرى

هناك كلمات بالعربية صارت تستخدم بمعنى آخر. مثلا، بالعربية صار الفعل “يناهز” يعني “يرحمه الله” وتلحق بأعمار الموتى فقط.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/06/14، العدد: 10306، ص(24)]

لسبب لا يعرفه حتى الجن الأزرق، كما يقولون، يتعلم العرب الذين لا يعرفون الإنكليزية جملة أولى في تلك اللغة هي الأخطر. جملة تفتح عليك أبواب الجحيم وتضعك في مأزق حقيقي ومن صنع يديك. بل هناك من لا يعرف غير تلك الجملة وهي سؤال “دو يو سبيك انغلش؟”. يعني أن رجلا لا يتكلم اللغة وليس له أدنى معرفة لكنه يغري الآخرين بالتدفق في الحديث معه باللغة التي لا يعرفها. لماذا؟ هذا لغز لا أزعم القدرة على تفسيره.

ولا يكتفون بتعلم هذه الجملة القاتلة باللغة الإنكليزية، بل يجوبون القارة بحثا عن جملة مكافئة في لغات أخرى لا يعرفونها. تراهم نفس الأشخاص يجتهدون في تعلم جملة “شبراخن سي دويتش” لدى الذهاب إلى ألمانيا. ولا يعرفون جملة مفيدة واحدة بالفرنسية سوى “بارليه فو فرانسيه؟”.

هذه العبارات تعلمها يشبه تعلم أن أفضل طريقة للتصرف إزاء أسد نائم أو تمساح خامل أو غوريللا مستكينة في غابات أفريقيا هي أن تخزها في صدورها بقوة وبعصا مدببة. والغريب أنهم يسألون الشخص الإنكليزي في بلده “دو يو سبيك انغلش؟”.

هذا السؤال صار مثل “السلام عليكم” يسألونه من باب التحية والتملق أحيانا. في حافلات لندن رأيت وسمعت من يسأل محصل التذاكر، “دو يو سبيك انغلش؟” فيقول الرجل “يس” فيصمت السائل ويقول بالعربي “ما أعرف إنكليزي”، فينقطع حوار الحضارات عند هذه النقطة الحرجة.

المسألة فيها شيء غريب وهي ضرب من سلوك. هناك كلمات بالعربية صارت تستخدم بمعنى آخر. مثلا، بالعربية صار الفعل “يناهز” يعني “يرحمه الله” وتلحق بأعمار الموتى فقط. لا تسمع أحدا يقول شاب عمره يناهز العشرين ما لم يكن الشاب قد توفي. ربما يظنون الكلمة دعاء بالرحمة. تقول لأحد فلان عنده ولد يناهز العشرين فيقول “لا حول ولا قوة إلا بالله. متى توفي؟”.

في كل الصحف ووسائل الإعلام يقولون توفي شخص ما عن عمر يناهز الكذا سنة. لا يعرفون أن يناهز تعني يقارب أو يداني ذلك العمر ولم يبلغه. وهم يقولون عن الحي عمره سبعون عاما لكن ما إن ينتقل إلى جوار ربه حتى يصير يناهز السبعين رغم أنه بلغ السبعين.

يأتي الصياد المصري بسلة فيها جبن وخبز وزبدة وأشياء طازجة في مركبه الصغير وينتظر من البحار الإنكليزي أن يدلي بحبل. يدلي الإنكليزي بالحبل من مركبه الكبير فيربط المتلقي السلة بالحبل مليئة بالمواد الطازجة، فيسحبها الإنكليزي ويأخذ ما فيها ويضع فيها سكاير يعيدها إلى المصري. ويبدأ التبادل التجاري هذا بالمصري صائحا: “دو يو سبيك انغلش؟” فيرد الإنكليزي صارخا: “يس” فيقول المصري: “طب ارمي الحبل”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر