الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

في الحافلة

كان القصف يشتدّ في الليالي ويهدأ قليلا في النهارات.. بينما كانت بغداد وحدائقها تزهو بربيع وورد وألوان غير آبهة لأصوات القذائف وهدير القنابل وروائح الحريق.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/06/15، العدد: 10307، ص(21)]

تمضي بي الحافلة.. وأستغرق في التأمل.. لا أريد للرحلة أن تأخذ مني دقائقها وتسفحها بانتظار الوصول إلى غايتي.. لا أريد لثلث عمري أن يبقى يضيع في فعل الانتظار.. فكل لحظة حولي جديرة بالاكتشاف.. وكل الألوان حولي تنادي فرحي.. مهما بدا الوجود معتما أو يائسا أو مستفزا.. فحتى في حقول الألغام قد تنمو أورادٌ تلون المشهد وتطرّي جدب الخوف..

كل وجه وكل جسد وكل شارع وكل مبنى وكل شجرة إن هي إلا نبع إلهام وجذوة إبداع.. منها يبتدئ الحب والشعر والموسيقى والفن.. وأيضا.. وقبل كل شيء: الأمل..

أقواس ومنحنيات وألوان ووجوه.. الأشكال تستحيل كتابة والتضاريس تشكيلا والأصوات موسيقى.. حتى الضجيج يغدو ذا معنى إذا كان في النفس أمل.. وكل شيء يبقى يصب في فكرة الإحساس بقيمة الحياة..

أتمتم في سري رغم تأخري على موعدي: نعم أستطيع.. وسأصل في الوقت المناسب والمكان المناسب.. وسأحظى قريبا بأغلى ما تمنيت وليس مطلوبا مني ما هو أكثر من الصبر والابتسام..

قد تستبد بنا الحياة وتقسو وتضعنا على حافة السقوط حتى لا يتبقى بين العقل والجنون غير شعرة.. لكن المبهر في الأمر أننا نستطيع أن نتشبث بتلك الشعرة حتى آخر لحظة في العمر بشرط واحد وحيد هو التمسك بالحياة والإصرار عليها..

تباغتني ذكرى عجيبة وأنا أتأمل الكون حولي.. وتعود بي إلى ربيع عام 2003.. إلى واحدة من تلك الحروب القاسية التي عشتها مثل الملايين من العراقيين وشهدت مآسيها باُمّ عيني.. واعتصرت قلبي أهوالها..

في الأيام الأولى من تلك الحرب.. كان القصف يشتدّ في الليالي ويهدأ قليلا في النهارات.. بينما كانت بغداد وحدائقها تزهو بربيع وورد وألوان غير آبهة بأصوات القذائف وهدير القنابل وروائح الحريق.. وإذ كنت مصرة لأسباب كثيرة على البقاء في بغداد.. كان بعض الأهل والأقارب ممن تركوا المدينة لينأوا بأرواحهم من جحيم الحرب قد استأمنوا عندي مفاتيح بيوتهم لأرعاها.. وصار شغلي الشاغل هو الخروج من البيت كل صباح في رحلة حول بغداد.. أمر على الشوارع والبيوت لأطمئن على سلامتها.. وكنت كلما دخلت بيتاً هجره ساكنوه واستوى الورد والشجر في حديقته يشكو الوحدة والشوق لأصحابه.. أحنو على زهوره فأجمعها وأجمع ما تيسّر من الماء الشحيح لأغسلها من غبار الجو وعصف الشظايا.. ثم أمرّ بمن أصرّ مثلي على البقاء فأوزع لهم باقات الورد المتغنج بألوانه.. كانت تلك الورود عندي صنوا لفكرة صناعة الحياة ومقاومة القبح بالجمال.. وصارت أشبه بطقس يومي يزرع الأمل والطمأنينة في نفوس أرهقتها الحروب وحاصرها الرعب والموت..

أبتسم في سري لتلك الذكرى التي تسللت إلى روحي وأنا في بلاد غير البلاد وجو غير الجو وزمن غير الزمن.. أجلس في حافلة تقلني إلى مكان لا يشبه أمكنتي.. لكنه لا بد وأن يكون جميلا إن أردت له أن يكون كذلك.. ففي زمن الحرب والموت كنت أرى الورد ينمو في حقل الألغام.. فكيف يمكنني ألا أراه الآن؟..

سيبقى لسان حالي قول الشاعر إيليا أبي ماضي “كن مع الفجرِ نسمة توسعُ الأزهارَ شمّا وتقبيلا.. أيهذا الشاكي وما بك داءٌ كن جميلا ترى الوجودَ جميلا”..

صباحكم ورد وسلام..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر