الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

الاحد 26 فبراير/شباط 2017، العدد: 10555

بخل تعبيري

يبدو البخل الكتابي ترشيدا عقلانيا للقول، ووعيا بمأزق اللغة التي تهيمن على البعض بينما تتحول عند آخرين إلى معدن نفيس

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/06/15، العدد: 10307، ص(15)]

البخل صفة محمودة في الكتابة، فلا يمكن أن يكون الأديب مبذّرا للخيرات اللفظية ولا مهذارا، الاقتصاد والحجب شرط للفتنة المعنوية والحسية، لهذا وجدتني دوما أتمثّل إفلاس الأدباء الرومانسيين بوصفه محصلة لسوء تدبيرهم لطاقة اللغة وثروة المعنى، وإهدارهم لهما دون حساب، ذلك أنه يمكنك أن تقرأ مئات الصفحات من جبران خليل جبران أو عباس محمود العقاد فتحس أن الكاتب يغرف من بحر دافق لن يشبعك يوما ولن يشفي غليلك، بينما تجد نفسك أمام هندسة للكلمات في كتابة حرفي ماهر كنجيب محفوظ، لا تقبل زيادة ولا نقصانا، تحس أن الكاتب ينفق بحذر فتتجلى الكلمات كصخور الثلج التي لا تبرز منها سوى الذرى الضئيلة بينما تتوارى القاعدة الكبيرة في الغور السحيق.

هكذا يبدو البخل الكتابي ترشيدا عقلانيا للقول، ووعيا بمأزق اللغة التي تهيمن على البعض بينما تتحول عند آخرين إلى معدن نفيس؛ يستعمل هيمينغواي في هذا الصدد عبارة “الجملة الحقيقة” في الدلالة على الكلام المحافظ على طزاجته، وقدرته على استثارة القارئ، الكلام النادر وغير المتاح ولا المتدفق بكرم. ولهذا وجدتني دوما أتمثل مفارقة الشح الموحي وفي ذهني كتابات عبدالفتاح كيليطو القصيرة والمنكمشة والمقترة، وكلامه شديد الاختصار، حيث يمكن أن يجيبك بعد مداخلة طويلة بعبارة “صحيح ما ذكرته”، أو “لا أعتقد ذلك”، ثم لا شيء.

وغير خفي أن الطيب صالح حين كتب روايته الطليعية “موسم الهجرة إلى الشمال” لبث سنوات لم ينشر نصا آخر، تماما كحال الروائي المغربي محمد شكري مع رواية “الخبز الحافي”، والروايتان معا بدتا مقتصدتين في اللغة والتعابير، ومقتصدتين في الحجم والورق، علما أنه لم يؤثر عن الروائيين معا بحل في الحياة، كانا محبين كبيرين للعيش وللمتع وللمعاني الكبيرة.

طبعا أستبعد هنا ذلك البخل الحسي الملموس الذي يحول الكاتب إلى تاجر بالتقسيط يرفض الإقراض، أتمثله كنوع من الانحراف السلوكي الذي لا يليق بعوالم الأخيلة والإبداع، فلا يمكن أن تكون كاتبا وأنت تفكر بمنطق فاتورة الحساب، أستحضر هنا واقعة طريفة جمعتني بأحد الروائيين المعروفين في ندوة خارج البلد حيث كان لا يتناول أي طعام أو شراب أو قهوة أو أي شيء دون أن يسأل النادل مرات عديدة عن مدى تكفل المنظمين بأداء ثمن ما هو مقبل على استهلاكه، لينتهي إلى حجز نفسه في محيط الفندق حتى لا يركب “طاكسيا” على حسابه، هكذا أمضى أيامه، في تخمين ما قد يقبض من مكافأة،… لم ينفق فلسا واحدا خارج التزامات المنظمين، لم يشتر كتابا ولا لباسا ولا حتى تذكارا سياحيا، كان ضيفا حقيقيا، وبخيلا كشفرة حلاقة.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر