الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

المدن العربية وصبر أيوب

على العرب أن يثقوا بأن كل مدينة يأتي ذكرها على خارطة الطريق لتحرير القدس، ستدمر، لأن فيلق القدس الإيراني والحرس الثوري الإيراني، لن يمرا دون محطات استراحة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/06/15، العدد: 10307، ص(9)]

لم نعد نستغرب ولا تثيرنا الدهشة من سفاهة التصرفات الإيرانية في السياسة وما ترتكبه من خروقات فاضحة للأعراف الدولية، وإطلاق الشعارات والبالونات المثيرة للفتن وإذكاء نيران الصراعات وابتكارها.

خفايا ونيات مراسم البراءة مقدمات تحريض على الإساءة إلى موسم الحج، وهي رسائل عملية لأصداء تتجدد كل عام، وما جرى في العام الماضي وسنوات سابقة إلا ممارسات تستهدف تحقيق مآرب أفصح عنها المسؤولون الإيرانيون في مناسبات عدة، جاهرت بها إيران منذ تصدير ثورتها إلى العراق وتصاعدت مع ترك الأميركان الساحة، لتتمادى إيران في حلم أن تكون بغداد عاصمة لإمبراطوريتها في طريقها إلى احتلال كعبة العرب والمسلمين.

إيران تريد من حجاجها وفي المخيمات الخاصة بهم ترديد ثلاثة شعارات بصعيد عرفة: “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، يا أيها المسلمون اتحدوا”؛ هذه مراسم البراءة الإيرانية.

هل تريد إيران أن تتبرأ من أفعالها ودجلها لتمنح الإيرانيين فرصة التوبة؟ لتعيد بعد الحج فتح حسابات ذنوبها المستجدة؛ الموت لأميركا، شعار لفتح الأبواب الفارسية من كل جهاتها لتوافقات سرية وغامضة حصّلت بموجبها إيران، كما تعتقد، شيكا على بياض تملي فيه خبث إرادتها لتدمير العرب؛ وتجتاز بحرسها الثوري وأقزام الولاية كل المدن العربية المبتلات بالخونة والحكام الفاسدين الذين نصبتهم إيران أو دعمتهم، لتصل في النهاية إلى القدس، تطبيقا لشعار الموت لإسرائيل.

إسرائيل هي الرابح الأكبر، بعد أن خسرت أمتنا في حروب “ثورة إسلام خميني” ومن بعد خامنئي، أضعاف ما تكبده العرب في مجمل الصراع العربي الإسرائيلي من عام 1948 إلى يومنا هذا.

على العرب أن يثقوا أن كل مدينة يأتي ذكرها على خارطة الطريق لتحرير القدس، ستدمر كليا، لأن فيلق القدس الإيراني والحرس الثـوري الإيـراني بفـروعه، لن يمرا دون محطات استراحة للأفواج السياحية لشركة قاسم سليماني المتعهد الحصري بتحرير القدس. مدينة الزبداني، أيقونة الثورة السورية، تم تسليمها رسميا إلى فرع الحرس الثوري الإيراني في لبنان، ليُهَجّر آخر من تبقى من مواطنيها والذين لا يتجاوزون 170 مواطنا، في مواءمة طائفية على الجانبين اللبناني والسوري، وهذا يعني بناء أخطر زوايا ما يعرف “سوريا المفيدة”، وهي قسمة يرتضيها الحاكم الذي أوصل سوريا إلى دولة غير مفيدة، فرطت بشعبها وغدها من أجل سلطة سيغادرها حتماً، إلى الأبد.

أقدمت قوات النظام السوري على قطع الطريق الرئيسي لمدينة الزبداني لأول مرة في 4 فبراير 2012 ومَنَعَت العوائل بنسائها وأطفالها وشيوخها من مغادرتها إلى دمشق والمدن الأخرى، وقُصِفَت المدينة عشوائيا لمدة 8 أيام متواصلة، ليلا ونهارا ودون توقف، بقذائف الدبابات والهاون والمدفعية والراجمات، ولم ينج بيت فيها من التدمير أو من الضحايا (وكنت شاهدا عليها) في أبشع تصرف لقوات عسكرية نظامية ضد المدنيين العزل؛ وبعد دخول القوات بالتراضي إلى المدينة، انسحبت القوات بعد أشهر قليلة لتنتشر على أطرافها وتطوقها بسلاح المدفعية وتدكها يوميا وعلى مدى أربع سنوات مع استخدام القصف بالبراميل المتفجرة.

في 6 فبراير، أي بعد يومين من حصارها الأول، قال وزير الخارجية التركي، حينذاك، أحمد داوود أوغلو في رد على تهديد النظام السوري لتركيا “قبل أن تهددوا تركيا تدبروا أمركم في الزبداني”. أشعل ذلك غضب النظام فزاد من قسوته وإبادته، وبدا ذلك واضحا بعدها في تماديه وتوسيعه لرقعة العنف نتيجة الصمت الدولي تجاه ما جرى من مجازر ورعب في الزبداني.

ثم تلتها تصريحات زعيم الحرس الثوري اللبناني عندما قال “إن الطريق إلى القدس يمر في الزبداني؛ اليوم مروا فيها وقائمة المدن العربية المستهدفة ستطول، والاحتلال الأميركي للعراق قدم لولاية الفقيه عاصمة يحلمون بها، ليحكموا بغداد والعراق بأحزابهم الطائفية، ويستبيحوا المدن تارة بالهزيمة المدبرة أمام تسميات الإرهاب، أو بالهجوم على الإرهاب، وسبق أن فعلوها ومروا في صلاح الدين بعد تسليمها دون قتال، وانسحبوا من الرمادي دون قتال كما في الفلوجة، وصالت وجالت ميليشياتهم في أقضية ديإلى وجرف الصخر في الحلة”.

الفلوجة تحاط اليوم بعار لن يمحى، عار الحصار لمدة سنتين وتجويع أهلها وقصفهم وتشريدهم، وعار السماح لداعش باحتلال وإذلال مواطنيها، وارتكابه المجازر والحماقات الطائفية والتعذيب تجاه الذين غادروا المدينة، وإعدام الرجال والقاصرين أمام أنظار أسرهم، مع المئات من المفقودين.

الموصل تراقب ما يجري في الفلوجة وحتى ما جرى في الزبداني؛ لأن الميليشيات أو التسميات الأخرى التي تنضوي تحت فتوى إجازة الإرهاب الطائفي، اكتسبت تشريعا دينيا مع توفير غطاء قانوني باعتبارها جزءا من القطعات العسكرية للجيش النظامي المخترق أساسا بالميليشيات منذ تأسيسه على يد قوات الاحتلال؛ إنما هي حالة أو عناصر موحدة تنفذ مشروعا فارسيا، تحاول استهداف العرب وجرهم إلى حرب طائفية لاختصارهم كطائفة مقابلة، وتحجيم إمكاناتهم كأمة؛ وهذا مدعاة لوحدة العرب تجاه مأساة مدنهم وشعوبهم وما يُخطط لهم كدول منفردة أو مدن معزولة تستفرد بها وتهيئ مبررات إزالتها.

معركة تحرير الموصل، تتحمل وزرها الدول الكبرى وفي مقدمتها أميركا التي تدفع عجلة المعركة المعطلة دون جهد يذكر أو استعداد بالتضحية ولو بجندي واحد، تابعنا الأسف الكبير بعد مقتل أحد عسكرييها قبل مدة، مما دعاها إلى مراجعة دورها على الأرض، والابتعاد عن مناطق التماس، والاكتفاء بالتدريب والنصح والإسناد الجوي والاتصالات.

خطأ جسيم ترتكبه أميركا والدول الأوروبية بعدم المبالاة بالمدنيين في المدن المنكوبة بالإرهاب والإرهاب المزدوج، وقبل ذلك عدم محاربة الإرهاب والقضاء عليه جديا والذي يتطلب تضافر القطعات البرية تحت راية الشرعية الدولية، لتمنح نفسها البراءة من الشكوك الموجبة عند شعوب المنطقة بضلوع الدول الكبرى في مخطط الإرهاب، وأيضا إعفاء إداراتها من غضب شعوبها أو مناوئيها السياسيين كلما استهدفهم الإرهاب بعملياته ومخاوفه، كما في ردة فعل المرشح دونالد ترامب ضد الرئيس باراك أوباما على هجمة الملهى الليلي في مدينة أورلاندو؛ والأهم أن لا تُتَهم بالتواطؤ مع إيران لإبادة العرب بحجة العداء لمذهب أو طائفة الولي الفقيه.

إيران تنوب ليس كضمير مستتر، إنما كمفاوض متشدد على جميع طاولات المفاوضات أو المباحثات وتعمل على استمـرار الحروب وتـدعم من يمثـل مشـروعها لإفشال كل الآمال المعلقة، لأنها، ببساطة، تتوحد لإطالة أمد النزاعات وما يرافقها من تهجير وتغيير سكاني وموت جماعي وتخريب، لإعادة تشكيل عالمها الخاص بما يتناسب ونزعتها القومية تجاه العرب.

النظام الإيراني ومن يقف معه، إن كانت أميركا في العراق، أو روسيا في سوريا، أو كلاهما وتبادل أدوارهما، وما يجري في اليمن ولبنان وغيرهما من أرض العرب، حولوا المدن إما إلى مقبرة كبيرة، وإما استياء يتجمع كسلسلة لا تنتهي، إلا بنهاية نظام الملالي، لإيقاف مهزلة الهتاف والدعاء بموت أميركا وإسرائيل وتوحيد صف المسلمين؛ في الوقت الذي فرقت فيه إيران أمة محمد ومزقتها وأشعلت فيها حروبها الطائفية وحاصرت مدنها وتفاوضت نيابة عن خدمها.

المؤلم أننا في العراق ليست لنا طاولة مفاوضات تمثل ثورة الشعب أو المعارضة، لأنهم كحكومة احتلال أميركي إيراني وأحزاب عميلة ومستشارين ومنافقين، اجتمعوا على إبادة المنادين بعروبة العراق من كـل المـذاهب؛ التغيير لـن يأتي إلا برفضنـا قبول العزاء في أهلنا العراقيين المغدورين في كل المجازر، وحينها ستكون لنا طاولة تجمعنا كشعب من دون ولاية أو وصاية أو منطقة طائفية لئيمة؛ نحن فقط من يقرر.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر