السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

القصبي يقولها ويُمضي

ناصر القصبي في أعماله الكوميدية الساخرة، يبدو الأجرأ منذ أعوام على أن يجعل من الفن مجالا لطرح الأسئلة الحارقة التي تجد لها صدى في نفس المتلقي.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/06/15، العدد: 10307، ص(24)]

يبقى لناصر القصبي بريقه الساحر في أعماله الرمضانية التي يقدمها بالاشتراك مع نخبة من الفنانين، في نصوص تعرف كيف تغوص في الواقع، وكيف تقتحم متاريس المحظور، كيف تنبش في جلد المجتمع، وتخترق شرايينه، لتخرج علينا بمواقف جريئة، ولترمي حجرا في المياه الراكدة، فتحرّكها من تحت سقف الجمود الفكري والثقافي الذي يعتقد البعض أن لا مجال لتجاوزه بعد أن بات جزءا من لعبة السلطة والمال والنفوذ في منطقتنا العربية.

حلقة “على مذهبك” مثلا، ضمن سلسلة “سيلفي” فتحت مجالا واسعا للجدل والنقاش حول الصراع الطائفي المصطنع في منطقتنا العربية من خلال قصة طفلين، ولدا لأسرتين تنتميان إلى مذهبين مختلفين، ولكن تم استبدالهما داخل المستشفى، وذهب كل منهما إلى أسرة غير أسرته، وتربى بالتالي على مذهب غير مذهبه الموروث، وبعد 20 عاما، عاد كل منهما إلى أسرته الحقيقية، وصار عليه أن يقنعها بأن لا صحة للأفكار التي تحملها عن مذهب الأسرة التي تربى بين أحضانها.

هذه القصة، قد تبدو بسيطة، ولكنها تميزت بعمق جلي في تناولها لقضية ذات حساسية بالغة، لم يقترب الفن منها، وتركها بين أيدي رجال الدين المتشددين، وأصحاب الفكر المتطرف والغايات السياسية الضيقة الملعوب بها على وتر الاختلاف المذهبي والطائفي، ليكون الخاسر الأكبر هو هذا الإنسان العربي المشدود إلى الوراء رغم أنفه، والذي يحلم بالأمن والسلام والرفاه والسعادة، ويريد أن يكون له المكان اللائق به فوق الأرض وتحت الشمس.

في حلقة أخرى، نجد المتعصبين قد رفضوا أن يطلق على شارعهم اسم صعصعة لأنه شاعر جاهلي وماجن، واسم ابن سينا لأن إيمانه غير متأكد، واسم طلال مدّاح لأنه مطرب، واسم غازي القصيبي لأنه تغريبي، واسم محمد الثبيتي لأنه شاعر حداثي، فجاءهم بلوحة عليها اسم عبدالرحمان الوابلي، الكاتب السعودي الذي توفي في مارس الماضي بعد أن كان له دور مهم في كتابة حلقات من “طاش ما طاش” و”سيلفي” وفي تحبير المئات من المقالات التي صبّ أغلبها في فضح مكر المتطرفين والكشف عن ألاعيب المتشددين ممن ضيّقوا الدنيا بدعوى الدفاع عن الدين.

ناصر القصبي، في أعماله الكوميدية الساخرة، يبدو الأجرأ منذ أعوام على أن يجعل من الفن مجالا لطرح الأسئلة الحارقة التي تجد لها صدى في نفس المتلقي، ولو لا هذا الصدى ما كان له ليستمر وليكون في مقدمة النجوم الأكثر متابعة من قبل الجمهور لا السعودي والخليجي فقط وإنما العربي عامّة.

وتلك لعمري مهمة الفن ورسالة الفنان: أن يقولها ويُمضي، ولا يَمضي، إلا وقد ترك أثره في العقل والوجدان.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر