الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

مهند عرابي يرسم شخوصا بملامح تخفي خواطر غامضة

  • كل من أراد أن يطمئن على أحوال الطفل في لوحة الفنان التشكيلي السوري مهند عرابي بعد استمرار الحرب في سوريا، وتبلور رؤيا وتقنية الفنان في معالجته للمواضيع المطروحة، سيطمئن ويسعد لرؤية “طفله” المؤثر، صاحب النظرات الحزينة/السعيدة، ذكرا كان أم أنثى، في معرضه الجديد الذي أقيم في صالة “أيام” البيروتية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/06/17، العدد: 10309، ص(17)]

شخوص طفولية مستوحاة من المعلقات السبع

بيروت - لقاء دافئ ذلك الذي سيُعيد من خلاله الزائر لصالة “أيام” البيروتية صلته “بطفل” التشكيلي السوري مهند عرابي الذي نضج، ولكن ليس كما ينضج باقي الأطفال، بل بأسلوبه الخاص شكليا وضمنيا.

كبر طفل مهند عرابي ليفوق حجمه الحدود الواقعية فصار أشبه بطفل كونيّ/عملاق احتل معظم فضاء اللوحة، تبدو شخوص الفنان هذه، حتى وهي جالسة على سجادة أو على كرسي وكأنها تطوف في مادة كونية أولى، ربما يعود ذلك إلى لون خلفية المُعلقة.

الطفل الأبدي

في بعض معلقات مهند عرابي، الخلفية من قماش أسود داكن يُذكر بعتمة الكون، وفي بعضها الآخر، من قماش بني اللون وكأن النار لسعته دون أن تحرقه.

قال الفنان خلال معرض فني سابق له “منذ بدايتي الفنية كنت مشغولا برسم البورتريهات والإنسان بشكل عام، جاءت الحرب إلى سوريا، فحضر معها الأطفال إلى لوحتي ليجسّدوا التشرد واللجوء وفقدان الأحبة والأهل وتكريس الحزن في نفوسهم كسمة أساسية في ملامحهم”.

مع مرور الوقت وخلال معرض ثان أهملت شخوص مهند عرابي الطفولية ألعابها من أراجيح ودراجات، وتخلّت عن أفعال الركض خلف العصافير، غير أنها لم تصبح في هذا المعرض الأخير أشخاصا راشدين، بل تحولت إلى كائنات طفولية أزلية من نوع خاص جدا.

كائنات اختبرت أكثر مما تظهر، وتعرف أكثر مما تبدي، امتلكت الكثير من الحكمة، وعمق السكينة سمح لها بأن تتحول إلى ما يشبه الأيقونات في عملين من المعرض، كما مكنّتها هذه الحكمة في أعمال أخرى من مخاطبة القمر بأسرار شخصية، واستضافة عصفور متوقّد فوق الرأس دون أي مشقّة، والتزين بتاج مُستحق يُذكر المشاهد كثيرا بشخصية “الأمير الصغير”.

استخدم الفنان مواد مختلطة، إضافة إلى اللون الأبيض الذي لعب الدور الرئيسي في تشكيل شخوصه الطفولية والمرسومة بعفوية كبيرة على ستائر قطنية، استوحاها عرابي من المعلقات السبع وأشعار طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى.

بقيت الدهشة التي تطبع الاتصال الأول مع العالم حاضرة في نظرات شخوصه ومُحفزة للألق فيها، كذلك حضرت في علاقتها مع الأشياء المحيطة، ولكن الجديد هو كون سمة الدهشة باتت جزءا من كيان الشخوص، وليس مجرد حالة عابرة مرهونة بوقت أو مكان معين.

العصفور والزهرة والطربوش والكرة والغيمة البسيطة مازالت عناصر مُبسطة تدور في فلك أطفال مُهند، ولكنها ظهرت في هذه الأعمال، وربما لأول مرة، وكأنها أطياف لما استبطنته الشخوص من مشاعر تتعلق بالخفة والإذعان النبيل إلى تقلبات الأيام وحالات الفقد، وانحلال الحدود التي تفصل بين الأماكن الأولى، وتلك التي عاش فيها الفنان لاحقا.

طفل مهند عرابي كبر ليفوق حجمه الحدود الواقعية فصار أشبه بطفل كوني عملاق احتل معظم فضاء اللوحة

لا تتوجه إلينا نظرات شخوصه، ولا هي تقصد أحدا معينا أو أشياء أو مواطن أخرى، إنها نظرة واسعة شبه قدرية لا زوغ فيها ولامبالاة، بل نظرات “أصابتها” حكمة فمازالت تتأرجح تعابيرها ما بين سقوط دمعة أو تشكّل ابتسامة حتى أجل مُسمى، ربما يجهله الفنان ذاته، كأن الجنين، ذو الرأس الكبير نسبة إلى جسده والعينين المظللتين والذي كان يشغل لوحات مهند عرابي السابقة، نضج ليصبح طفلا كاملا، وليس راشدا دمّرته الأحزان.

ضجيج السكون

ساكنة شخوص مُهند عرابي، ولكنها تضج بالخواطر غير المُعلنة، يبدو ذلك ظاهرا ليس فقط في ملامح وجهها ونظرات عيونها، بل في أسلوب الرسم الذي اعتمده الفنان.

رسم الفنان أشخاصه “غير المنجزة” بسلسلة من الخطوط العفوية والمتسارعة والمتقطعة، وأضاف إليها هالات وأنصافها حتى اهتز معنى الثبات كليا، فمشت شخوصه وهي جالسة، وانحنت وهي مُنتصبة القامة، ولعل دراسة الفنان للتصوير والعمل على إخراج رسوم متحركة للتلفزيون ساهما في تعزيز وتعميق نظرته إلى حركية الزمن، تراجعه وتقدمه على السواء.

اختيار الفنان للقماش ليكون خلفية رسومات، فيه شيء من النظرة إلى الزمن عبر علاقته الوطيدة مع المكان، هو منطق الرحالة “احمل أعمالك وامش بسرعة، وإلى حيث تريد”. ففي فضاء معظم معلقات مهند عرابي تلمع نجوم نافرة، إنها نجوم من نوع آخر، ليست مخلوقات كونية رسمها الفنان بالريشة، بل هي عبارة عن نسيج بالخيطان، ملون وحميم يذكر بالعمل اليدوي أو ما يُسمى بفن “الأرتيزانا”.. في قلب هذه النجوم “تتمجلس” قطع مرايا صغيرة تدخل الألق المباشر إلى اللوحات، وتسقط بعض هذه النجوم سهوا في لوحة الفنان، الذي لا تخلو روحه من الطرافة، لتستحيل إلى أقراط تزين أذن شخص من أشخاصه المرسومة.

الخطوط التي رسم بها مهند عرابي أجساد شخوصه ليست متحركة فقط بسبب أسلوب الرسم الذي تكلمنا عنه آنفا، بل أيضا بسبب علاقة إضاءة الصالة، واللون الأبيض الذي اعتمده الفنان، باللون الأسود الذي يشكل خلفية معظم الشخوص المرسومة.

وإذا أراد المشاهد أن يتحقق من هذه الجدلية السحرية ما بين الإضاءة الاصطناعية وعتمة اللوحات، فما عليه إلاّ أن ينظر إلى الأعمال وقد خفتت أضواء الصالة من حولها، حينها سيجد نفسه أمام الشخوص، وهي تتحرك نحوه وخلفها النجوم “اليدوية”.

الأبيض في اللوحات، لون هلاميّ وشبه فوسفوري، هو أكثر ما يعطي صفة التحرك شبه الشبحي لأطفال مهند عرابي الأزليين، أطفال مُضيئين ومُضائين بعاطفة الحب التي يكنّها الفنان لهم، فينقلها إلى قلب المشاهد الزائر.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر