الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

البائع الجوال

أجمل ما في الأمر كان دخولي الإنسيابي في فقاعة خارج هذا الزمن بصحبة بائع مجهول، وأنا أقف في نفس المكان الذي يُفترض أن تكون أخذت عنه هذه الصور.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/06/17، العدد: 10309، ص(17)]

كنت أتجول وسط بيروت السبت الماضي لكي أنعم بالهدوء ولطف النسيم، بعيدا عن الضجيج والحرّ الذي ساهمت في رفع درجاته محركات السيارات التي غصت بها الشوارع في الأسبوع الذي سبق حلول شهر رمضان المبارك.

مررت عن طريق الصدفة بقرب بائع جوّال لم أر مثله منذ أكثر من 15 سنة، أي قبل تدهور الأوضاع في لبنان وفي المنطقة العربية بشكل عام، كان الجوّال يبيع بطاقات سياحية عن بيروت القديمة.

أذكر أنني كنت أشاهد الكثير منها عندما كنت طفلة، وهي مُلصقة داخل سيارات الأجرة ومُغلفة بعناية بستار من “نيلون” شفاف، أكثر ما كان يلفتني الزرقة الحادة للسماء في هذه الصور، وغالبا ما كنت أقارنها بزرقة السماء البادية خارج سيارة الأجرة لأجدهما مختلفتين تماما، دون أن يدفعني ذلك إلى تكذيب واحدة من هاتين المُشاهَدتين المُغايرتين.

خففت الخطى لكي أتأكد من أن البائع يحمل فعلا هذه الصور المألوفة، متسائلة عن هوية الذي يرجو بيعها وعن الأشخاص الذين قد يهمهم شراؤها، فلا بيروت هي اليوم مثل ما هي في هذه الصور، ولا سائحين عربا أو أجانب هم اليوم كُثر مثلما كانوا منذ فترة غير بعيدة، أي قبيل 2005.

لا شك أنني استدعيت اهتمام البائع بسبب نظراتي المُلحة، فتوقف وسألني “هل يهمك شراء صورة سياحية عن بيروت؟”.

هنا أصبح الموقف في غاية السريالية، ها أنا ذا، الهاربة من الضجيج إلى وسط بيروت، الذي يُفترض أن يكون الأكثر ضجيجا وحيوية، يستوقفني بائع جوال، لا بدّ أنه جاء من العدم، ليعرض عليّ صورا “جدلية”، إذ هي كاذبة وحقيقية في آن واحد، صورا عن مدينتي كما لو أنني سائحة غريبة.

في البداية أردت أن أشكره وأن أعرض عن الشراء منه، غير أنني لسبب ما بدّلت رأيي، ووجدت نفسي أتفرج على الصور بتأن كبير، ازداد اهتمام البائع، فبدأ يفسّر لي الصور بشكل مقتضب “هذه ساحة الشهداء، ساحة البرج، سوق الصاغة، مبنى الكابيتول..”.

أجمل ما في الأمر كان دخولي الإنسيابي في فقاعة خارج هذا الزمن بصحبة بائع مجهول، وأنا أقف في نفس المكان الذي يُفترض أن تكون أخذت عنه هذه الصور.

خلال اختياري للصور، دار بيننا هذا الحديث الغريب:

- صحيح أنني لبنانية، ولكنني أود اختيار البعض من الصور.

- تفضلي، إنها صور جميلة عن بيروت.

- ولكن بيروت لم تعد كما في هذه الصور.

- هي صور سياحية مُخصصة للأجانب.

- نعم، ولكنها صور كاذبة! لم يعد أي أثر لتلك المشاهد، بماذا ستجيبهم إذا سألوك أين يجدون هذا أو ذاك الشارع؟

ضحك البائع وأجاب:

- أقول لهم إنها صور عن الذي كان!

- جميل! وهل تذكر “الذي كان”؟

- لا، لا أذكر، كنت صغيرا.

- ولا أنا أذكر.

ضحكت أنا والبائع وبدا الوضع كله في غاية الغرابة.

- إذا، الأمر مُستتب، صرنا اثنين لا يذكران!

ثم أضاف ببضع كلمات بالغة الأهمية:

- لا يمكن نكران أنها صور فنّية وجميلة، كاذبة كما تقولين، ولكن حقيقية.

فكرت لحظتها بأنه مُحق، فأجمل ما في هذه الصور التي أراني إياها البائع، كانت السماء، نفس الزرقة الحادة التي رأيتها عندما كنت صغيرة، حينها كنت مقتنعة بأن الصور المعلقة داخل سيارة الأجرة هي بشكل من الأشكال، النسخة الحقيقية عن “الحقيقة” الظاهرة من خلال زجاج السيارة، حتى وإن بدت غير ذلك.

ودعت البائع وتابعت السير حتى وصلت إلى مقعد بقرب مجموعة من المحلات الحديثة التي لا تشبه بشيء محلات الأسواق القديمة، لا أدري لماذا تركت الصور على المقعد وأكملت طريقي بخفة جديدة؟

فكرت أنني لربما اختبرت بشكل مباشر ما قاله يوما الفنان بابلو بيكاسو، حيث قال “كلنا نعرف أن الفن ليس الحقيقة، الفن هو كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة، على الأقل، هذه التي أتيح لنا أن ندركها، على الفنان أن يكتشف الطريقة التي سيقنع بها الآخرين بصدق أكاذيبه”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر