السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الجالية العربية واستفتاء المصير: فتش عن الاقتصاد وسياسات الهوية

بريطانيا ستعيش أزمة اقتصادية اجتماعية ستستهدف الطبقة الوسطى والهشة التي تشكل الجالية العربية أبرز تجلياتها.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/06/17، العدد: 10309، ص(6)]

تمثّل الهجرة والاقتصاد دفّتي تحريك استفتاء 23 يونيو حول بقاء بريطانيا عضوا في الاتحاد الأوروبي أو خروجها منه، سواء من خلال تأييد البقاء أو دعم الانفصال، ذلك أنّ تدفّق المهاجرين من الجغرافيا المشتعلة في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط عامّة نحو دول الاتحاد الأوروبيّ دفع الكثير من الدول الأوروبيّة إلى تبنّي سياسات وقائيّة فرديّة تحول دون امتداد المهاجرين اللاجئين إلى أراضيها. وقد تختلف هذه السياسات في الشكل وفي المضمون عن لوائح الهجرة إلى أوروبا المنصوص عليها ضمن البرلمان الأوروبيّ أو المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان.

رفضت لندن بشكل جوهريّ الاتفاق الأوروبيّ لتوزيع المهاجرين بين دول الاتحاد والمعروف بـ”اتفاقيّة دبلن” متمسّكة بموقف صارم حيال رفض استقبال اللاجئين من منطقة الشرق الأوسط على أرضها وهو ما بدا بالنسبة إلى الكثير من المتابعين مسلكيّة سياسية لـ”فكّ الارتباط” التدريجي بالاتحاد الأوروبي في قضايا الهجرة واللجوء.

الرهان الآخر هو الملف الاقتصادي المرتكز على التلازمية المالية من حيث التأثّر والتأثير الجماعي لأعضاء النادي الأوروبي عقب الأزمة المالية الحادة في اليونان ورفض بعض الدول مبدأ “التعاضد النقديّ” مع دولة على حافة الإفلاس، إضافة إلى تعالي الأصوات من داخل بريطانيا التي تدعو إلى وقف المساعدات الاجتماعية التي تقدمها لندن لعمّال أوروبا الشرقيّة وتحرّض على استثمار مبلغ 47 مليار دولار تدفعه لندن سنويا لمنظمة اليورو في السوق المحلية وبالتالي خلق وظائف جديدة وتطوير الاستثمار في البلاد.

في صميم هذا الجدل تحضر الجالية العربية المهاجرة في بريطانيا أيضا من زاويتين اثنتين، الأولى اقتصادية بحتة حيث أنّها تمثّل جزءا أساسيا من الطبقة الشغيلة البريطانيّة ما يؤشر على تأثرها سلبا أو إيجابا بقرار العضويّة، والثانية سياسيّة متعلّقة بالأحزاب اليمينية المتشددة المناهضة للمهاجرين والتي باتت تتقدّم في المشهد السياسي في دول أوروبية مؤثرة على غرار ألمانيا وفرنسا.

الناظر للمدونة الدعائيّة للأطراف المتصارعة على مصير بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، يبصر سجالا حادا قوامه لغة الأرقام والمعادلات التجاريّة وهو أمر منطقي بالعودة إلى أصل تأسيس النادي الأوروبي كاتحاد اقتصادي بُعيد الحرب العالمية الثانية. فمن الواضح أنّ رهان النجاح وسقطة الفشل لدى الطرفين منوطان بمصير بريطانيا الاقتصادي بعد استفتاء 23 يونيو 2016.

وبعيدا عن لغة الدعاية التي قد تأخذ بعد الإيهام والإبهام، فإنّ قراءة سريعة لتداعيات الانفصال على بريطانيا تؤكد للمتابع المخاطر التي تستهدف الاقتصاد البريطاني ومن ورائه عشرات الآلاف من أبناء الجالية العربية والمسلمة. تؤكد المصادر المالية في بروكسيل أنّ ثلاثة ملايين وظيفة مرتبطة مباشرة أو بصورة غير مباشرة بالصادرات والواردات من الدول الأوروبية ستفقدها لندن في حال الانفصال، كما أنّ حجم الاستثمار الأوروبي المباشر – ناهيك عن غير المباشر- في بريطانيا والمقدّر بـ700 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 50 بالمئة من إجمالي الاستثمارات في البلاد ستخسره لندن.

من جهته، دقّ بنك إنكلترا ناقوس الخطر إذ اعتبر أنّ خروج بريطانيا من الاتحاد المجازفة الأكبر بالنسبة إلى الاستقرار المالي المحلي، محذّرا من أنّ بلوغ بريطانيا مستويات قياسية من عجز الحسابات الجارية، الذي يتعين أن يمول من تدفّقات رأس المال من الخارج، يجعل البلاد معرضة للعجز بقدر أكبر.

وفي تجسيد ملموس لتحذير بنك إنكلترا تخطّط العديد من البنوك والصناديق الاستثماريّة الأوروبيّة والتي يوجد مقرها في لندن لنقل أرصدة يبلغ حجمها تريليونات الدولارات والآلاف من الوظائف إلى خارج بريطانيا إذا صوتت لصالح الانسحاب من الاتحاد خلال الاستفتاء.

لئن كان المال بلا رائحة وبلا هويّة، فإنّ المجال السياسي في الأقطار الأوروبية حاليا بات مكرّسا لمقولة الهويّات سواء عبر تبنّيها تأصيلا كأطروحات وأيديولوجيات لأقصى اليمين واليمين الشعبويّ أو عبر اعتمادها تناقضا مع الهويّات المهاجرة أو ذات الأصول المهاجرة.

إذ من الواضح أنّ الأطراف الدافعة اليوم إلى الانفصال هي ذاتها الرامية إلى المزيد من السياسات الإقصائيّة والعنصريّة حيال المهاجرين، وهذا يعود إلى طبيعة الفكر العنصريّ القائم على “الأمّة الراقية” المضبوطة وفق جغرافيا “الدولة الأمّة” في معظم دول الاتحاد الأوروبي ما يعني أنّ البقاء في الاتحاد الأوروبي هو بقاء خارج جغرافيا العقل المتطرّف وخارج حدود فعله أيضا.

هنا تؤكد الدراسات الثقافية والأطروحات السياسية العاملة ضمن مقولة “التعدد الثقافي”، ضرورة عمل الجالية المهاجرة أو ذات الأصول المهاجرة على البقاء ضمن المحيط الإقليميّ الأكبر من الدولة الأمّة وذلك لعدّة اعتبارات، من بينها أنّ الاتحاد الأوروبي منتظم تشريعي وقانونيّ -علاوة على صفته الاقتصادية-، يمتلك مؤسسات قضائيّة ولجانا مختصة في حقوق الإنسان ومحاكم تعنى بحقوق الأقليات الثقافية واللغويّة، الأمر الذي يحوّله إلى مرجعيّة أخلاقية ومعنويّة تحول دون اختراق أعضائه لهذه المدونة القضائيّة الثريّة والغنيّة في مجالات حقوق الأفراد والجماعات، وهنا تكمن مصلحة الجالية المهاجرة.

هذا الإقرار لا يعني البتة أنّ بريطانيا تعوزها ثقافة حقوق الإنسان والجماعات ذلك أنّ الحديث يدور حول البلد الوحيد الذي يعتمد دستورا عرفيا يعود إلى القرن السادس عشر، ولكن لمنع الانزلاقات المحتملة من اليمين المتشدّد والشعبويّ مع ظهور دعوات متعصبة من المحافظ بوريس جونسون الذي يقود تيارا ضدّ البقاء في الاتحاد الأوروبي لمنع دخول المهاجرين إلى بريطانيا وتضييق الحريات على الجالية المهاجرة فيها، لابدّ من تلازمية تشريعية بين المحلي والإقليمي والدولي، وهي ثلاثيّة تصعّب الانحراف نحو التعصّب الهوياتي ضدّ الأجانب وتحول دون مأسسته وتحويله إلى سياسات رسميّة.

ستكون لوائح الاتحاد الأوروبي في مجالات حقوق الإنسان والجماعات ضمانة من جملة الضمانات القانونية الحقوقية الأخرى ليبقى السجال دائما منحصرا صلب ثنائيّة منح الحقّ كقاعدة ومنعه كاستثناء بما تقتضيه روح التشريع الحقوقيّ، لا ضمن مقولة “التضييق على المواطن كقاعدة وإعطاؤه الحقّ كاستثناء” كما تتمثّله المقاربة الوقائيّة والرقابيّة.

مصير بريطانيا في الاتحاد الأوروبي هو ذات مصير الجالية المهاجرة في بريطانيا، البقاء الفاعل والنقديّ لكلّ من يروم بخس الحقوق أو هضم الحريّات.

كاتب تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر