الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10522

الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10522

استعادة الدور الديني للمغرب في محيطه الأفريقي

  • العالم بأسره يتحمل مسؤوليته إزاء أفريقيا التي تركت وحدها لعقود من الزمن في مواجهة شتى أنواع الصعوبات، ممّا خلق أزمات شكلت بدورها بيئة حاضنة للإرهاب وكل أشكال العنف والتطرف، ويأتي دور المغرب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتصحيح المسارات عبر استعادة دوره الديني التنويري في القارة وما إلى ذلك من أهمية قد تفوق العمل السياسي التقليدي والمباشر.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/06/17، العدد: 10309، ص(13)]

مهام واسعة أنيطت بمؤسسة الملك محمد السادس

لم تعد القارة الأفريقية تلك البقعة النائية التي لا يوضع لها اعتبار، فإذا كانت عقود من التهميش والتخلف الاقتصادي والسياسي قد جعلتها في آخر اهتمامات العالم، فإنها اليوم تعود راكضة إلى واجهة الاهتمام الدولي وتسلط عليها الأضواء في كل يوم، والسبب في ذلك أن تلك العقود الطويلة من التهميش قد أفرزت ظاهرة التطرف الديني، الذي بات يجد في الخلافات السياسية والتخلف الاجتماعي وتراجع أدوار العلماء والمؤسسات الدينية الفاعلة، البيئة الخصبة للتوالد.

ولعل تسمية “حركة الشباب الصومالية”، التي تأسست عام 2004 كحركة متطرفة سرعان ما بايعت تنظيم القاعدة وأصبحت إحدى الأذرع الضاربة للإرهاب في أفريقيا، تدل بوضوح على مشكلات الفراغ التي يتخبط فيها شباب القارة، التي يتشكل أغلب سكانها من الفئة الشبابية الأكثر عرضة لأي موجة متطرفة، في غياب التأطير الديني السليم والبنيات التحتية اللازمة للتنمية العادلة التي تخلق الفرص ثم تعمل على مساواة الجميع فيها. فأفريقيا اليوم مرشحة بشكل أكبر لتكون مهدا للكارثة القادمة، في حال لم يتم النهوض بالأوضاع فيها، وتوحيد صفوف المؤسسات العاملة في المجال الديني، وتوسيع إطار عمل هذه المؤسسات بما يجعلها مخاطبا مقبولا.

المبادرة الأخيرة التي أطلقها المغرب لإنشاء “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة” تحوي 31 دولة أفريقية وتضم 121 من العلماء، هي واحدة من الإجابات التي تسعى إلى التعامل مع الأسئلة الراهنة في القارة من موقع الفاعلية والتأثير والانتقال من مرحلة الخطاب إلى مرحلة الفعل، وفق ما هو مسطر لها من أهداف، في حال ما وضعت أمامها الإمكانيات وأزيحت من طريقها العوائق.

وأنيطت بالمؤسسة الجديدة مهام واسعة، مثل نشر قيم الدين السمحة وتنشيط الحركة الفكرية والعلمية والثقافية في المجال الأفريقي، وتوطيد العلاقات التاريخية التي تجمع المغرب وباقي دول أفريقيا والعمل على تطويرها، وتشجيع إقامة المراكز والمؤسسات المتخصصة، وإحياء التراث الثقافي الأفريقي الإسلامي المشترك من خلال التعريف به ونشره والعمل على حفظه وصيانته، إلى جانب ربط الصلات وإقامة علاقات التعاون مع الجمعيات والهيئات ذات الاهتمام المشترك.

المؤسسة لا تهتم بالجانب السياسي، وهو ما يرجى أن يكون عاملا مساعدا على الإنصات إليها بشكل جيد

والمؤسسة لا تهتم بالجانب السياسي، وهو ما يُرجى أن يكون عاملا مساعدا على الإنصات إليها بشكل جيد، سواء على الصعيد الأفريقي بشكل عام، أو على صعيد كل بلد على حدة.

وتعود العلاقات العلمية بين المغرب وأفريقيا إلى زمان سابق، ففي منتصف الثمانينات من القرن الماضي أنشئت “رابطة علماء المغرب والسنغال”، وتلك مرحلة كانت مطبوعة بطابع الحرب الباردة التي مزقت أوصال القارة، إذ لم يكن الجانب الديني يحتل الموقع الذي كان عليه أن يحتله، لكن المغرب وعى بشكل مبكر ـ وإن كان لأهداف مغايرة آنذاك ـ أهمية الخطاب الديني في التواصل بين بلدان القارة، وكان يمكن لتلك التجربة أن تتوسع أكثر، بيد أن الخلافات السياسية حالت دون ذلك.

ومنذ ظهور التهديدات الإرهابية في بداية الألفية الجديدة، أعيد للشأن الديني الاهتمام الذي يستحقه، وقد لعب المغرب قاطرة الدفع في مشروع واسع يرمي من ناحية إلى استعادة دوره التاريخي في القارة، ومن ناحية ثانية إلى تشكيل جبهة بقصد التصدي للظاهرة الإرهابية من خلال خلق آليات جديدة تتجاوز التعامل الدبلوماسي إلى العمل المؤسساتي الذي يتيح فرصا أكبر لإدماج الفاعلين الدينيين من موقع مباشر، وتنسيق الجهود في ما بينهم. ومنذ العام 2003 قادت المملكة مبادرات على أكثر من مستوى، تمثلت بوجه خاص في الإشراف على تكوين أئمة ومرشدين من بلدان أفريقية، وتنظيم دورات تكوينية لفائدة الخطباء من عدد من الدول، ودعم عدد من المراكز والمؤسسات الدينية الأفريقية، وهي كلها مبادرات خلقت نوعا من الاستئناس بالتجربة المغربية في مجال تدبير الحقل الديني، لكي تثمر في الأخير مؤسسة كبرى كهذه المؤسسة التي تلاقى فيها العشرات من العلماء من عشرات البلدان الأفريقية، وذلك بدافع التنسيق لمكافحة التشدد الديني.

غير أن هذه الخطوة لديها مدلول آخر يتجاوز مجرد الشراكة، فخلال السنوات القليلة الماضية صار هناك إدراك لدى علماء القارة لأهمية إنشاء مؤسسة أو مجمع علمي مستقل، يكون أكثر قربا من هموم القارة؛ ويمكن القول إن الاستقالات التي حصلت في صفوف بعض العلماء الأفارقة من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي ينظر إليه البعض باعتباره واجهة من واجهات التيار الإخواني، كانت تعبيرا عن إدراك الحاجة إلى مؤسسة ذات طابع أفريقي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر