الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

بعد تحرير الفلوجة والموصل، لا فتى إلا علي

اليوم قبائل الأنبار والموصل ستخرج ممزقة بعد داعش، صحيح أن الميسور منهم سيصبح ملحدا وعلمانيا، ولكن يبقى الفقراء بحاجة إلى عزاء ومساعدة ودين، وهنا سيعمل المشروع الإيراني القديم.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/06/19، العدد: 10311، ص(6)]

يندهش المحللون الأجانب اليوم من المرونة التي تبديها بعض الدول العربية. إنها مستعدة للسير عكس وجدانها تماما، في سبيل مصالح سياسية للخروج من أزمات، ولكن عندنا مثال قريب على هذا النوع من “المرونة”، درس كبير للتاريخ العربي، حين تم الضغط على شيعة العراق لقتال الخميني. لقد سار شيعة العراق ضد وجدانهم وشعورهم الطبيعي، وقدموا أقصى درجات المرونة، من قتال للخميني وإعلام وأناشيد لإرضاء السلطة، ماذا كانت النتيجة؟ انفجار وجداني مدمر بأقرب فرصة.

صديق إيراني قال لي “يا أسعد نحن لا نقبل بانتهاكات ضد السنة، إلا أن شيعة العراق قد انفجروا ولا نستطيع السيطرة عليهم. نحن سامحناهم على مليون قتيل ذهب منا في حرب الثمانينات، لكنهم نادمون على ذبحهم لجند الإمام الخميني، نادمون على هجرانهم المراقد كل تلك السنين خوفا من السلطان، نادمون على خذلانهم لضميرهم لأجل المال والذهب، نادمون على كل كلمة قالوها ويشعرون بالعار. الأمر الذي أدى إلى هيجان جماعي من الزيارات المليونية اليومية، والخطابات المتطرفة والكراهية لكل ما هو سني، لقد ارتكب صدام حسين شيئا رهيبا، وهو إرغام شعب على السير ضد وجدانه وعاطفته تماما، وكانت النتيجة مدمرة ودموية”.

اليوم يجري مرة أخرى طرح نظرية “المرونة”، من خلال إرغام السنة في الدول العربية على السير ضد وجدانهم، لأسباب سياسية، وستكون النتيجة مشابهة، هذه البراكين كما يبدو هي من صنعنا. صحيح أن صدام حسين قد حاصر كربلاء عام 1991، وقصف القبة الشريفة لمرقد الحسين بمدفع. لكن إيران لم تقصر بالإدانة واستقبال اللاجئين ودعم المعارضة، وإدارة الخطابات النارية والعمل بكل الوسائل للانتقام من صدام حسين.

كان على العرب التدخل لقتال الدواعش مباشرة حتى لا يكون نصرا طائفيا يمحو المدن ويذل النفوس ويكسر القلوب. والحديث عن الانتهاكات كان يجب أن يكون أقوى، والمساعدات العربية للنازحين، كان يمكن لها أن تكون ملموسة وتطيب الخواطر. إن ما يجري خطير حسب فهمنا للتاريخ والإنسان والمكابرة غير مجدية.

العرب دعّموا بلا شروط رئيس الوزراء حيدر العبادي وقالوا هو أفضل من السيد نوري المالكي، لأنه معتدل وبعيد عن إيران وفتحوا السفارات، فصرّح العبادي بأن وجود سليماني في الأنبار قانوني، بطلب من الحكومة العراقية. فعاد الإعلاميون العرب وقالوا إن سليماني هو مَن نصب العبادي بديلا للمالكي قبل عامين. يبدو أننا في حالة تناقض وتخبط في الشأن العراقي.

لنفترض غدا أن الفلوجة والموصل تحرّرتا من داعش، وانتهى القتال بذبح خمسين ألف شيعي وخمسين ألف سني. هل سيعود السنة من جديد لنفس القصة؟ العدو الفارسي ودعم قطري وشيوخ عشاير وبعثيين جدد وقناة الجزيرة؟

لا أعتقد ذلك. بعد داعش سيدخل السنة في سبات طويل. إيران سوف ترسل للمدن السنية مساعدات بعد الهزيمة، وتبني مستشفيات خيرية، ومدارس أطفال، ومؤسسات إغاثة. مستشفى الصادق، ومدرسة الخميني، وجامعة زين العابدين.

بهذه الطريقة تخلق نوعا من التطبيع الثقافي، في فترة تكون المدن منهكة والناس بحاجة إلى الرحمة. وسيتم التضييق على السعودية، ومنعها من استخدام أموالها لتحقيق مكاسب سياسية. إيران لا تقدم كل هذه التضحيات لإقامة إقليم سني معاد لها، لا بد أن هناك اتفاقا ما مع الولايات المتحدة.

أعتقد أن إيران طرحت فكرة التشيع لوضع حد للثارات في المستقبل، بحيث تصبح الطقوس الدينية من زيارة مراقد ومرجعية هي المخرج الوحيد لوحدة العراق ونهاية الإرهاب. ما هو سر تشيّع القبائل العراقية جنوب العراق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟ القضية بسيطة جدا، إن المشروع العثماني لتوطين القبائل واستغلالهم في الزراعة، خلق نظاما إقطاعيا ظلم الناس، مع عدم عناية الدولة بالأوقاف والتعليم والعمل الخيري والمساجد، فقد كان الجشع العثماني يرتكز على المال والضرائب فقط.

انتبهت الحوزة في كربلاء والنجف لهذه المشكلة، وأرسلت المبشرين لتعليم الفلاحين أمور دنياهم ودينهم، وجمعت التبرّعات والمساعدات ونشط العمل الخيري. لم تكن هذه القبائل متدينة أصلا، فهي كانت بدوية جاهلية تقريبا، والحوزة علّمتهم الدين وقدمت لهم العون، واستمر التشيع بالانتشار حتى فترة متأخرة. الفلاح المظلوم رأى في مظلومية الحسين قرابة مع مظلوميته، ورأى في التشيع رفضا للإقطاعي السني ودولته العثمانية الظالمة.

ولم يوقف التبشير الشيعي في العراق سوى الملك فيصل الأول بمساعدة الإنكليز، فقد افتعل الملك مشاكل سياسية مع الحوزة، وطرد المراجع إلى إيران وحاصر أموالهم حتى توقف نشاطهم التبشيري. اليوم قبائل الأنبار والموصل ستخرج ممزقة بعد داعش، صحيح أن الميسور منهم سيصبح ملحدا وعلمانيا، ولكن يبقى الفقراء بحاجة إلى عزاء ومساعدة ودين، وهنا سيعمل المشروع الإيراني القديم، فالإسلام السني “إرهاب” ولا يحقق العزاء والطمأنينة بل أصبح مجلبة للخوف والتهمة والمهانة، والدول العربية في مرحلة التخلص من الإسلاميين، ولا يوجد مزاج لإرسال تبرّعات ومبشّرين قد يجلبون تهمة الإرهاب على هذه الدول المتهمة مقدّما.

هنا سترسل إيران أمهر المبشرين وأكثرهم رحمة وبلاغة، مع دعم مالي بالمليارات ولو من أموال العراق، فرصة تاريخية ضخمة لإيران اليوم لتحقيق انتشار أهم من الاحتلال والتهجير والحروب، ولن تسمح لأحد بمنافستها. رغم أن هناك بوادر تأهّب لدى تركيا، ولكنّها ستغرق بالمشكلة الكردية ولن تستطيع الوصول إلى الموصل.

رسالة من شاب موصلي نازح إلى بغداد يقول “عندي أصدقاء من مناطق صلاح الدين وقراها ونواحيها، معظمهم أكّد لي وجود حركات تبشيرية بالتّشيع، وقد حصل هذا في ناحية يثرب وقرية بيشيكان إحدى قرى الضلوعية، على الجانب المقابل مشعان الجبوري ومحافظ نينوى الجديد ‘العاكوب’ يقودان حملة بدأوا بها منذ السنة الماضية لتجييش حشد جبوري خالص، وثمة حديث عن تعهد للسيد أبو مهدي المهندس بتشييع بيجي والشرقاط والقيارة، إضافة إلى أن الوقف الشيعي ومن خلال مصدر مؤكد جدا رصد 30 مليون دولار لإعادة إعمار مراقد الموصل وأضرحتها”.

العرب يؤكدون بأن رسالتهم ضد الطائفية، والسفراء العرب ببغداد يرغبون بدعم الشيعة العرب، وهذا خبر جيد وحكمة كبيرة لأن حال أهل الموصل صار يقول إذا تشيعنا سنتخلص من رائحة الإرهاب الكريهة، ونضمن الأمان من جانب إيران كما أن العرب بدورهم سيدعموننا لأننا سنصبح شيعة عربا.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر