الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

ظواهر روائية

عندما كتب الروائي عبدالرحمن منيف خماسيته مدن الملح عن بدء مرحلة اكتشاف النفط في السعودية، ولاقت رواجا واضحا عند القارئ العربي، حاول أكثر من روائي عربي أن يخوض هذه التجربة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/06/21، العدد: 10313، ص(15)]

شهد تاريخ الرواية العربية ظهور عمليات تنميط مختلفة، عكست ضعف التخييل السردي والوقوع في التقليد، خوفا من مغامرة البحث والتجديد أو استسلاما لقيم جمالية وفكرية سائدة، فالرواية الواقعية السورية على سبيل المثال، ظلت منذ ستينات القرن تتحدث عن عالم يحكمه تحالف ثلاثي، يجمع بين الإقطاع ورجال الدين والسلطة، بينما كانت شخصية المعلم فيها ترمز إلى الدور التنويري، الذي ينحاز للفقراء ويحرضهم على التمرد والثورة.

بينما اتخذت شخصية المجنون في الرواية العربية، طابعا مميزا ارتبط بالجرأة على قول الحقيقة وفضح ممارسات السلطة، حتى أصبحت هذه الوظيفة في العديد من تلك الأعمال الروائية محصورة بهذه الشخصية. الروائي العربي ربما وجد في طرافة هذا الموقف بالنسبة إلى هذه الشخصية، ما يغريه، أو أنه أراد أن يتهرب من المسؤولية عما تقوم به، أو تقوله هذه الشخصية المختلة عقليا، أو أنه ينطلق في بناء هذه الشخصية من وعي، يربط الحكمة بالجنون، خذوا الحكمة من أفواه المجانين.

صحيح أن شدة القمع والاستبداد في الواقع السياسي والاجتماعي العربي تجعل أي عمل معارض لهما مغامرة خطيرة، يجب عدم توقع نتائجها، نتيجة الطبيعة الشريرة لهاتين القوتين، لكن تجريد هذا الموقف من أي بعد اخلاقي أو وعي حقيقي، يجعل منه فعلا استثنائيا غير طبيعي، ولذلك لم أجد ما يسوغ ظهور هذه الشخصية النمطية فكريا أو جماليا في مراحل سابقة من تاريخ هذه الرواية.

وعلى الرغم من أن نجيب محفوظ لم يخترع الرواية الطويلة التي تقع في أكثر من جزء، كما حدث في ثلاثيته الشهيرة، التي نال عنها جائزة نوبل، فإن العديد من الروائيين العرب قد وقعوا في غرام هذا الشكل، وحاولوا من خلاله أن يؤرخوا للتاريخ الاجتماعي والسياسي لبلدانهم على غرار ما فعله محفوظ في ثلاثيته، كما فعل حنا مينة وخيري الذهبي وفواز حداد والطاهر وطار وغيرهم العديد من الروائيين العرب.

وعندما كتب الروائي عبدالرحمن منيف خماسيته مدن الملح عن بدء مرحلة اكتشاف النفط في السعودية، ولاقت رواجا واضحا عند القارئ العربي، حاول أكثر من روائي عربي أن يخوض هذه التجربة، كما فعل نبيل سليمان في رباعيته مدار الشرق، لكن ظهور جيل جديد من الروائيين العرب الشباب وضع نهاية أخيرة لإغراءات هذا الشكل من الكتابة، وإن لم ينه إغراءات الواقعية السحرية لرواية أميركا اللاتينية عليهم.

لقد وقع العديد من هؤلاء الروائيين وما زالوا تحت تأثير سحر هذه الرواية، في حين كانت الرواية العربية هي الوحيدة، التي نجت من تأثير هذا السحر عليها.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر