الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

أطفال في قعر الحديقة

تذكرت ذلك اليوم الصيفي والأطفال الجامدين في قعر الحديقة عندما أعلنت حكومة صاحبة الجلالة على لسان رئيس الوزراء وفي وسط أزمة تدفق اللاجئين على أوروبا، أن بريطانيا ستقبل عشرين ألف لاجئ.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/06/21، العدد: 10313، ص(24)]

قبل نحو عشرين صيفا كان عندنا ضيوف عرب وأبناؤهم وسيدة إنكليزية واحدة. الأطفال تصرفوا بشكل عادي ومألوف من تخريب وتهريج وحركة لا تنقطع. ومنهم طبعا من قام بواجب الطيارة وكدر السلم العام.

واجب الطيارة هذا يستحق الشرح. هي قاعدة غير منصوص عليها لكنها قاعدة على كل حال. تقول القاعدة التي وضعتها من ملاحظاتي إنه ما إن يجتمع عدد من الأطفال في مناسبة ما حتى يتكفل واحد منهم بأن يتخيل نفسه طيارة. واحد على الأقل سيفرد ذراعيه إلى الأقصى ويروح يركض ويدور حول نفسه وذراعاه مفرودتان على أنهما جناحان وهو يطلق طنينا متصلا على أنه صوت المحرك.

كل طفل يزعم أنه طيارة بجناحين يعتقد أنه أول من اكتشف هذه اللعبة. ترونه فاردا ذراعيه بزهو المخترع ومباهاة المكتشف وهو لا يدري أن اللعبة عمرها مئة عام وجربها وأزعج الناس بها ملايين الأطفال وأن أولادا قبله جربوا زعم كونهم عربة تجرها خيول في العصر السومري والبابلي.

الطيارة هو ليس الوحيد الذي يصدر عنه طنين. محصلة صخب الآخرين طنين أيضا. طنين مزعج ومستمر مثل وجع الضرس. كنا في الحديقة نحاول أن نشرب الشاي ونأكل الكعك بهدوء ولا يقف حائلا بيننا وبين السعادة سوى ذلك الطنين والصخب العابث. وصارت مهمتنا تتلخص في التخلص من أكبادنا التي تمشي على الأرض.

السيدة الإنكليزية وجدت الحل دون تعب. الإنكليز ماكرون وذوو دهاء. الإنكليزية طلبت من الأطفال الطنانين أن يصغوا إليها جيدا فعندها مشروع مسابقة ذات جائزة فخمة. قالت لهم اذهبوا كلكم إلى أبعد نقطة عنا في الحديقة فانطلاق السباق سيكون من هناك. فراحوا واصطفوا في قعر الحديقة.

هناك قالت لهم إن يعوا جيدا هذا السباق الفريد فهو جديد وغير تقليدي. أثارت حماسهم فعبروا عن استعدادهم لخوضه مهما كان. هنا كشفت لهم قواعد السباق العجيب وهي أن عليهم قطع المسافة بينهم وبيننا ولكن الجائزة والفوز سيكونان من نصيب آخر من يصل والنصر من نصيب الأبطأ. عادت صاحبتنا إلى مقعدها وهي تبتسم بمكر. أعطتهم إشارة الانطلاق فتحرك الأطفال خطوة صغيرة ببطء شديد وتوقفوا.

سرعان ما اكتشف كل منهم أن الاستراتيجية المثلى هي الوقوف دون حراك. الوقوف جامدين سيأتي بالفوز مهما كان. وهكذا صار عندنا فلذات أكباد بعيدين وصامتين ودون حركة، كل ينتظر الآخر أن يتحرك قبله.

أراحونا من صخبهم وحركتهم برضاهم واختيارهم. جلسنا وشربنا الشاي بسلام وأنا أتأمل في الدهاء الطبيعي عند الإنكليز.

تذكرت ذلك اليوم الصيفي والأطفال الجامدين في قعر الحديقة عندما أعلنت حكومة صاحبة الجلالة على لسان رئيس الوزراء وفي وسط أزمة تدفق اللاجئين على أوروبا، أن بريطانيا ستقبل عشرين ألف لاجئ وتمنحهم الإقامة ومساعدات المعيشة وما لذ وطاب لكنها ستختارهم ممن يبقون في مخيماتهم في الأردن وسوريا ولبنان. عندهم أشياء طيبة تنتظر من يبقى بعيدا دون حراك.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر