الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الرقميون الذين يزوروننا في المنام

قادة العالم الرقمي ومؤسساته التي تسابق الزمن قد انتهوا من برمجتنا وفهرستنا -نحن البشر- منذ زمن ولم يعد صعبا عليهم التعرف على هوية وتاريخ أي شخص في أي بقعة من بقاع الأرض.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/06/21، العدد: 10313، ص(18)]

في الكثير من المؤسسات الحكومية التي تقدم خدماتها للناس في العديد من البلدان العربية مازال الأعوان يستخدمون الأوراق والأقلام في إنجاز المعاملات وما يرافق ذلك من ولع مزمن بالإكثار من التواقيع والأختام، وإذا تجمعت تلك الأوراق في أي مؤسسة لها تماس مباشر مع الحياة اليومية للناس فستكون في شكل تلال وأطنان من الورق.

جهاز إداري عاطل عن المستحدثات وإدارات حكومية لا تريد الإقدام على مغامرة الخروج من عالم الكتابة بالقلم إلى الكتابة بالكمبيوتر ومن المعلومات الورقية إلى المعلومات الرقمية.

الرقمنة اختصرت وجودنا الكوني اليوم، الملايين من البشر صاروا يُعرفون اليوم بالأكواد وكلمات المرور حتى صار التعرف على أي شخص من بين الملايين من الأشخاص لا يستغرق إلا دقائق معدودة وهو ما أعلنته إحدى الوكالات الروسية في توصلها إلى نظام فائق التطور لتمييز الأشخاص عن سواهم.

حتى وسيلة التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارا “فيسبوك” صارت مجهزة ببرمجيات تستطيع تمييز شخص من بين عدة أشخاص من خلال صورته ومعادلاتها الرقمية وبمجرد أن تضع مؤشر الماوس يظهر اسم الشخص.

نحن أمام عاصفة رقمية حقيقية يجب أن تدخل إلى هياكل تلك المؤسسات التقليدية الجامدة في العالم العربي التي مازالت بينها وبين الرقمنة سنة ضوئية بسبب عدم وجود مؤشرات على مغادرة الفوضى الورقية والملفات الورقية التي تتعفن في المخازن وتأكلها الرطوبة والأرضة باتجاه الفضاء الرقمي الفسيح الذي يختصر الكثير من الجهد ويوفر الكثير من الموظفين الروبوتات الذين مهمتهم الإمضاء والختم فيما يمكن أن تختصر الأنظمة الرقمية هذا الروتين البدائي القاتل.

ربما البداية الصحيحة كانت مع الأجيال الجديدة وتقريبها من تلك المعالجات الرقمية المتطورة التي صارت هي روح العصر وأصبحت المؤسسات والحكومات الرقمية هي الحقيقة المتداولة في الكثير من المجتمعات، ومن ثمار ذلك ما يعرف بخدمات البنك المنزلي الذي يتيح للإنسان أن يدخل إلى حسابه البنكي وهو جالس في منزله ويدفع فواتيره وما هو مترتب عليه بلا عناء.

من الجهة الأخرى فإن قادة العالم الرقمي ومؤسساته التي تسابق الزمن قد انتهوا من برمجتنا وفهرستنا -نحن البشر- منذ زمن ولم يعد صعبا عليهم التعرف على هوية وتاريخ أي شخص في أي بقعة من بقاع الأرض مادام قد أدخل في شكل كود رقمي في ملفات متخصصة، هم أولئك الرقميون الأشباح الذين يدخلون عالمنا يوميا دون أن نشعر، يقرأون اهتماماتنا وهواياتنا من أبسط تصرف يصدر عنا لتجري برمجتها على أنها “داتا” رقمية خاصة بنا مثل شيفرتنا الوراثية الكامنة في DNA، هم يدخلون غرف نومنا وبإمكانهم أن يزورونا ونحن نيام دون أن ندري ليجري تحديث بياناتنا بينما ذلك الموظف العربي النشيط مازال يكدّس الورق فوق الورق في معاملات متخشبة وبدائية آن لها أن تختفي من حياة الناس.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر