الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

بريطانيا جو كوكس: الإنسانية أولا

الاستفتاء أكثر أهمية من الانتخابات لرئاسة الحكومة، ويكاد يكون طبخة لا بد منها، لانغلاق الأفق السياسي، وهو تعبير للخروج من أزمة وليس للخروج من الاتحاد الأوروبي.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/06/22، العدد: 10314، ص(8)]

للعبودية أشكال عديدة، أخطرها أن تكون الأنظمة أو الأحزاب أو الشخصيات الحاكمة أو المتنفذة، خاضعة لأيديولوجيتها وقواعد تكوينها الأساس، دون أن تتعظ بحكمة مفادها أن البشر إخوة في النهاية؛ والحياة مجرد يوميات وفيها الكثير مما ينطبق على الجميع دون تمييز في المتطلبات رغم اختلاف وفوارق الحريات ونسب موارد الاقتصاد والظروف المحيطة بالمجموعات الإنسانية.

تتحكم بالإنسان عوامل ثابتة، حاجته إلى مكان إيواء وملابس وطعام وصحة وتعليم، وأولها فرصة عمل وأجواء من الأمن والاستقرار والهجرة، كما عبر عنها رئيس “يوكيب” أحد أحزاب اليمين المتطرف في بريطانيا، بلافتة إعلانية لحركة تدفق المهاجرين تصدرتها عبارة “نقطة الانهيار” وبعد ساعات تم اغتيال النائبة العمالية، جو كوكس، 41 عاما وأم لطفلين وناشطة وداعمة لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

الهجرة ربما تكون مفتاحا لجدل واسع استمر لسنوات، تعاطى مع الجدوى الاقتصادية وفوائد ومؤثرات الارتباط بالاتحاد، لخصها القاتل توماس ماير الذي أطلق النار على عضو مجلس العموم البريطاني وطعنها بالسكين أيضا أمام مكتبها في الشارع العام رافعا صوته بالهتاف “بريطانيا أولا”.

ورغم أن بريطانيا ليست من ضمن منطقة اليورو أو اتفاقية الشنغن، لكن أحزابها اليمينية تنشط ضد أوروبا والمهاجرين منها، تحديدا من دول الشرق الأوروبي كرومانيا وبولندا، وفي ذلك تتفق معظم أحزاب اليمين الأوروبية المتطرفة؛ أما عن الهجرة الواسعة من الشرق الأوسط فبريطانيا لم تفتح أبوابها إلا لأعداد قليلة وعلى مدد زمنية طويلة وإجراءات مشددة، والحال معها مختلف عن ألمانيا مثلا واستقبالها لقرابة مليون لاجئ معظمهم من سوريا والعراق.

الاستفتاء العام الذي سيجرى غدا في بريطانيا هو محاولة للخلاص من اتحاد السوق الأوروبية المشتركة، والمؤيدون للـ”بريكست” أي الخروج أو فك الارتباط إنما يطالبون بإعادة بريطانيا إلى سابق عهدها ودورها الصناعي والسياسي والأمني في العالم، ومعظم هؤلاء من أنصار القومية البريطانية وهو اشتغال سياسي أكثر منه واقعيا، لأن المؤسسات الاقتصادية والبورصة والقروض والعمالة الأجنبية الفاعلة تتطلب انفتاحا على أوروبا والعالم.

الاستفتاء أكثر أهمية من الانتخابات لرئاسة الحكومة، ويكاد يكون طبخة لا بد منها، لانغلاق الأفق السياسي، وهو تعبير للخروج من أزمة وليس للخروج من الاتحاد الأوروبي.

في العراق وهو صيد جاهز للأفكار التقليدية في نظام الحكم، عندما تشتد الأزمات وتتفاقم لتهدد مصير الحزب الحاكم وحكومته، يلجأ إلى تحويل مسارات الضغط السياسي والشعبي لخلق بؤر صراع، وما أكثرها، تستهدف الناس في حياتهم ومصيرهم، وهي الاكتفاء الذاتي الوحيد لمصانع إرهاب الدولة أو ما يسمى بالعنف الشرعي.

التصويت على البقاء أو الخروج، وارد طبعا، لكن الاغتيال وهو من الحوادث النادرة في الواقع السياسي البريطاني سيلقي بظلاله على نتائج الاستفتاء، لتميل إلى كفة البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، لأن أعدادا لا يستهان بها من المواطنين الذين لم يكن لديهم قرار واضح وثابت في استطلاعات الرأي سيصوتون لصالح دم الضحية البريئة جو كوكس وأجواء التعاطف مازالت ساخنة ولم تبرد، وكذلك توقعات اللحظة الأخيرة والانحياز إلى صوت العقل والتفكر وموازنة المصالح الاقتصادية وما يتبعها مع أكبر كتلة مالية واستثمارية يمثلها الاتحاد الأوروبي في العالم.

بريطانيا تلتقي مع أميركا في أكثر توجهاتها، وإذا جاز لنا التعبير عن رغبة أميركا في تحويل اهتمامها الاقتصادي من الشرق الأوسط وانسحابها إلى مناطق أخرى من العالم، أو إلى داخل سياجها الجغرافي، إذا جاز لنا أن ندعوه بالعزلة؛ فإن تلك العزلة ومعها الراغبون من البريطانيين في الخروج من الاتحاد الأوروبي، يمارسون التقاط صور “سيلفي” بكاميراتهم الخاصة ويبتسمون لرؤية أنفسهم كما يشاؤون.

قبل الانتخابات الأميركية تكبدت مدينة أورلاندو 49 قتيلا من مرتادي النادي الليلي، الهجوم صُنف إرهابيا وأحدث انقساما في الخطاب الانتخابي بين هيلاري كلينتون وتأكيدها على أهمية محاربة الإرهاب وعدم ربطه بالولاء الديني للإرهابي أو الإسلاموفوبيا ودعمها في ذلك الرئيس باراك أوباما عندما شدد على أن استهداف المدنيين في هذا الشهر الفضيل (ويقصد شهر رمضان) جريمة، وتحدث عن صعوبة الكشف عن الذئاب الإرهابية المنفردة.

الوقائع على الأرض تؤكد ردة الفعل في الفلوجة والأوضح في مجريات معركة تحرير الموصل من داعش وزيادة وتائر الدعم الأميركي والإسناد العسكري والحديث عن صيد ثمين قادم؛ كل ذلك استثمار في الحملة الانتخابية لصالح مرشح الحزب الديمقراطي؛ دونالد ترامب، استغل جريمة أورلاندو لصالح توجهاته الشعبوية اليمينية، وحتما الملهى الليلي ودماء رواده سيكونان حاضرين من دون شك في 8 نوفمبر القادم، يوم الانتخابات “عالمية” التأثير، إذا لم تتبع جريمة أورلاندو جرائم وأحداث درامية.

هيلاري أقرب إلى الفوز، لكونها أول امرأة تتولى منصب قيادة أكبر دولة في العالم، ولهـا تجربة سابقة كسيدة أولى للبيت الأبيض أثناء رئاسة زوجها بيل كلينتون، ووزيرة للخارجية في بداية عهد أوباما؛ لكن لا يجب الاستهانة بطروحات دونالد ترامب وأصداء شخصيته الأميركية وانفعالاته وأثرها في نفوس الأميركيين ومكانته المالية وحضـوره في بـرامج تلفـزيون الواقع التي يتابعها الملايين حول العالم.

جو كوكس تم اغتيالها على توقيت الاستفتاء في بريطانيا، القاتل من اليمين المتطرف متصاعد النبرة؛ توقيت جريمة أورلاندو وما سيليها من حرب الدواعش وتصاعد خطاب ترامب المتطرف، إنما هي برامج فوازير لمتاهات سياسية متناثرة في طموحات قادة وزعماء دول واستبداد وضياع لقيم الخير والعدالة وفقدان الأمن وحق الحياة، بفعل رغبة السيطرة وإهمال الإنسان في بقاع كثيرة في زمن العولمة واختصار المسافات وإلغاء بعض مفاهيم التعصب للسيادة الوطنية لضمان الانفتاح على الموارد المتاحة والتبادل التجاري واسع النطاق وصهر الثقافات لخدمة الأمن والإخاء والسلام العالمي ومردود تكافؤ الفرص وتطوير الخبرات ومساعدة الدول النامية للنهوض دون أعباء وقيود في الفكر والقوانين والإدارة.

الدرس البريطاني في الاستفتاء على البقاء في الاتحاد الأوروبي ورفض الخروج من الـ”بريكست” هو مثال للصراعات والحروب الأهلية المدجنة في بريطانيا، والمنفلتة في منطقتنا ومنها العراق وسوريا؛ حيث تبديد الثروات لمختلف الأسباب المعروفة؛ تبذير ميزانية العراق الهائلة من النفط على يد حكومات الاحتلالين الأميركي والإيراني، والفشل الذريع في إدارة الأموال والإخفاق في تنويع مصادر الدخل بالاستثمار الأمثل في الصناعة والزراعـة والتعليم والصحـة وغيرها؛ أدت إلى احتضار الاقتصاد العـراقي نتيجة لتدني أسعار النفـط واللجـوء إلى القروض والديون، ورهن العراق ومستقبل شعبه وثرواته بقيود وأغلال احتلال آخر، أقسى وأخطر.

بريطانيا تحمل مصباحا يضيء “نقطة الصعود” بدم سيدة بريطانية تدعى جو كوكس، لها قلب يؤمن بأن البشر إخوة، وصنعت من صوتها قوارب حقيقية لنجاة المهاجرين من الغرق في سراديب وأقبية أوطانها، ولتقول لنا: الإنسانية أولا.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر