الاربعاء 13 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10841

الاربعاء 13 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10841

وفي الأنبار 'لا نبيع الرجال بيع النعال'

مدينة الفلوجة لها وجهان؛ وجه قبيح هو داعش التنظيم الإرهابي القذر، ووجه آخر هو المدينة السنية العربية المعروفة بتاريخها الوطني والقومي.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/06/22، العدد: 10314، ص(9)]

تحررت الفلوجة مؤخرا بالكامل وتم القضاء على تنظيم داعش. كانت عملية أشبه باقتلاع ضرس بلا مخدر بالنسبة إلى السنة، فالقضية في غاية التعقيد. وأرجو أن تسمحوا لي بشرح وجهة نظري للشعب العراقي علها تصل إلى المسؤولين.

المدينة لها وجهان؛ وجه قبيح هو داعش التنظيم الإرهابي القذر، ووجه آخر هو المدينة السنية العربية المعروفة بتاريخها الوطني والقومي. كذلك القوات المسلحة لها وجهان؛ وجه ميليشيا شيعية طائفية، ووجه الجيش العراقي الوطني المحرر. وجه الميليشيات التي سحقت رأس الفلوجة وقلعة التمرد السني، ووجه الجيش الذي أنقذ المواطنين من براثن الإرهابيين المجرمين.

أعتقد أن المشكلة هي أن سنة العراق عديمو خبرة، عليهم أن يتعلموا من الشيعة، كيف كانوا يرقصون ويحتفلون بالانتصار على الإمام الخميني؟ كيف كانوا يرفسون جثث الحرس الثوري ويصفونهم بالجبن رغم أن بعضهم جاء إلى المعركة حاملا سكينا ومصحفا فقط في حرب الموجات البشرية لفتح الألغام، بل كان بعضهم يبصقون على الأسرى الإيرانيين ويهزجون على جرحاهم وأسراهم.

فمن وجه أول تلك كانت انتصارات وطنية عراقية على الفرس “المجوس”، ومن وجه آخر هي انتصارات سنية على الشيعة وإمامهم الخميني المثير للجدل. وكما يأتي الشيعي والفارسي يحتفل معنا بانتصارات اليوم، كان السني والعربي يأتي ويحتفل معنا بانتصارات الأمس، من مطربين وقادة سياسيين وشعراء عرب.

إن التحكم بالمشاعر لدى الشيعة، له علاقة بتاريخهم الطويل، حيث تعرضوا للاضطهاد والتشويه في التاريخ الإسلامي، وكانت السلطات تستهدفهم. السنة وافدون جدد على هذا العالم، لهذا تكثر عند شبابهم الجلطة الدماغية وأمراض الاكتئاب.

لا يمتلكون تلك المهارات الضرورية للعيش والبقاء. كان الشيعة يلقون القصائد، ويرقصون، ويقاتلون الخميني، بل كانوا ينفذون حكم الإعدام والتعذيب بجيرانهم المعارضين للحكم. ثم اتضح أن كل ذلك كان من مهارات البقاء والعيش، فشعورهم الحقيقي هو الذي ظهر بعد سقوط بغداد.

اليوم يعيش الشيعة حالة مجد وتمليك للعراق، وكل السلطات بيدهم. السنة بالمقابل يعانون من الذكريات، حين كانوا أهل مجد وسلطان، والبعثيون الجدد والدواعش ينكأون هذا العصب الرخو عندهم، فتنشأ حالة من التشوش في السلوك والشعور. هذه سلطة شيعية قائمة اليوم، وعليك أن تبكي معها، وترقص لفرحها، وتهتف باسمها. بل عليك أن تبلغ عن جيرانك إذا كانوا خونة للوطن.

الشيعة كانوا يتمتعون بمهارات بقاء وصبر استمرت لسبعة عقود، بينما الآخرون بدأوا مؤخرا يكتسبون تلك الخبرات، ويتعلمون كيف يعيشون في دولة فقدوا سلطانها ومجدها، كيف يرقصون ويضحكون حتى لو كانوا في حالة حزن، وكيف يبكون حتى لو كانوا في سعادة ورضى.

الفلوجة اليوم هي حشود النساء والأطفال، والرجال إما قُتلوا وإما سُجـنوا، ومن حق الدولة التحقيق معهم لمعرفة قصة كل واحد منهم ومدى تورطه مع الدواعش، فالمدينة لسنوات تحت حكم داعش، هذه الصورة يا إخواني ليست سارة، فكما يقول الحارث بن عُباد “لا نبيع الرجال بيع النعالِ”، ولا يوجد سنة عراقيون فرحون بنتيجة كهذه ولا يرون ما يدعو إلى الاحتفال والفرح وإن أظهروهما.

الشعور بالمرارة فرصة لنتعلم شيئا، فعلينا أن نكون مقنعين لباقي المكونات العراقية في الوطن. عندما سقط صدام حسين، قال كثيرون إن صدام حسين لا يمثل السنة، وحين ظهر داعش قال كثيرون داعش لا يمثل السنة، وحين انتخب السنة شخصيات في الحكومة قال كثيرون هؤلاء لا يمثلون السنة.

وفي النقاشات الساخنة التي أدرتها مع الآلاف من المواطنين كرر الشيعة سؤالا واحدا؛ فليعطنا السنة شخصا واحدا يمثلهم. هذه قضية تستحق التأمل. حتى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي قال إنه في الوقت الذي يتهموننا فيه بالعمالة لإيران نجد بأن بعض السياسيين السنة يمارسون أرخص أنواع العمالة للمخابرات القطرية والتركية وغيرها.

السؤال هو ماذا سنفعل؟ تنظيم داعش استدرج مدننا إلى حرب مذهبية، وها نحن نرى مدننا تنهار ويتشرد أهلها مدينة بعد أخرى. لقد تم رفع الأذان الشيعي في مدينة المساجد منارة منارة، ومنبرا منبرا، تطهرت المدينة من الدواعش، وبذكر أمير المؤمنين في الأذان.

مقابل ذلك خذلان عربي على كل المستويات، لا مساعدات دولية للأطفال، ولا برامج إغاثة ولا مستشفيات متنقلة، الكل له الحق في الابتعاد عن أمة أُصيبت بالجذام. السؤال هو لماذا تقسيم البلاد لأجل مذاهب؟

السنة فقدوا الثقة بأنفسهم، بل يخافون من شرور أنفسهم اليوم، وفي أمس الحاجة لإخوانهم في الوطن الشيعة. لقد هُزمنا بمعركة إرهاب ضد الحضارة والإنسانية، هزمنا في الوجدان، وفي القيم، ولا داعي للاستمرار في الطريق ذاتها، أو الاستمرار بالعناد.

في الفلوجة لم يكن كل المحاربين دواعش، كان هناك أيضا فتيان دافعوا عن مدينتهم، وخسرناهم في معركة خاطئة. دقيقة صمت لشهداء الجيش العراقي الشجعان، الذين رفعوا علم بلادي الطاهر بدل علم الدواعش القذر فوق الفلوجة. ودقيقة صمت أيضا للمحاربين الفلوجيين الشجعان الذين دافعوا عن مدينتهم، أطلقوا النساء والأطفال ولم يحتجزوهم رهائن، وجلسوا تحت النجوم المتلألئة ينتظرون بصدورهم الرصاص.

الفلوجة اسبارطا العراق، مدينة المحاربين، لقد رأينا الفتى الفلوجي كيف يرفع رأسه في الليل نحو النجوم ويصلي، كيف في الصباح تحط عليه العصافير، وحين يمشي تتشقق الأرض تحت قدميه.

لا بأس عليك أيها الفتى الممدود على الأرض، أيها الأمير الذي كانت تمشي بأحلامه الأميرات. وتحية كلها فخر واعتزاز بالجندي العراقي الذي سقط وهو يقاتل الإرهابيين الدواعش. يا شعبي “أقسّمُ جسمي في جسوم كثيرة”، فهذه والله فتنة الفتن أن يقتل الأخ العراقي أخاه، وتتهدم المدن الحبيبة أمام عيوننا.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر