الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

قول أشياء كثيرة دفعة واحدة وبفم واحد

  • هناك جيل ثقافي جديد في الإمارات يشتغل على مشروعه الأدبي بهدوء، مستعينا بوعيه وبقراءاته وبتأملاته الشخصية. ضيفتنا القاصة الإماراتية صالحة عبيد واحدة من هذه التجارب التي تمتلك صوتها القصصي الخاص. “العرب” أجرت معها هذا الحوار حول تجربتها وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/06/23، العدد: 10315، ص(15)]

كتبت همومنا اليومية

أصدرت القاصة الإماراتية صالحة عبيد العام الماضي مجموعتها القصصية الثالثة “خصلة بيضاء بشكل ضمني” عن دار كتّاب، وتأتي هذه المجموعة بعد مجموعة “زهايمر” 2010، التي ترجمت إلى الألمانية، ومجموعة “ساعي السعادة” 2012، و”قائمة” إصدار مشترك لمجموعة كاتبات إماراتيات في 2013، و”آيباد: الحياة على طريقة زوربا” 2013. أما عن جديدها فهي دائما ما تترك الباب مشرعا على جميع الاحتمالات والتجارب.

خصلة بيضاء

تحدثنا صالحة عن مناخات مجموعة “خصلة بيضاء بشكل ضمني”، قائلة “الخصلة هي محاولات أخرى، أفكار بدأت بشكل غائم ربما ولم يكن لها أن تتجلى إلا على شاكلة شخصية معينة أو نص، هي من جانب آخر محاولة للنضج بشكل مغاير عن المألوف، لا أقول إنني أوجدت المختلف الصاعق هنا بقدر ما ساعدت ذهني على ولوج مساحات جديدة تشعرني بأنني أكثر نضجا تجريبيا، وقد جاء ذلك على هيئة 16 نصا سرديا قصيرا، كلها تبحث في تأملي الخاص للذات والآخر وما حولهما”.

اختارت صالحة أن تمهر قصصها بعبارات مقتبسة لمبدعين، وكأنها تقدّم عتبة نصية لفتح باب التأويل للقارئ، لتأخذ بيده إلى جزء من المعنى. وعن ذلك تقول “في فتح باب التأويل وجهة نظر صحيحة إلى حد ما، إلا أنني أيضا في ذلك الاقتباس أفتح بابا آخر للشراكة الإنسانية مع كاتب قد قرأت له يوماً ما وأشعل شيئا في الذهن، باعتباري قارئة أولا. هذه الاقتباسات هي مصافحة أو كلمة شكر خافتة لكل أولئك المختلفين الذين قرأت لهم، الذين لم تعد صالحة بعد المرور بهم كما كانت، ولأنها كذلك فهي تحاول أن تكثف المعنى الذي منحوه لها في هيئة نصوص خاصة بها”.

يلاحظ القارئ للمجموعة أنها غير منتظمة تحت سقف مناخ واحد، وأنها مشغولة بعدة قضايا، وكأن صالحة كانت ترغب في قول الكثير بفم واحد دفعة واحدة. وعن هذا الرأي تعلّق ضيفتنا “أعتقد أنني في كل المجموعات القصصية التي تسنت لي قراءتها سابقا، لم أستشعر ضرورة أن تقع المجموعة القصصية في مناخ سردي واحد أو ثيمة معينة، فكل نص له أن يخلق عتبته الخاصة بما فيها من فكرة عامة وشخوص، سأذكر من هنا آخر مجموعة قصصية مررت بها لأليس مونرو “الهروب” ورغم أنك ترتبط بالنص السردي لمونرو طويلا من حيث الوقت والفكرة نظرا لأن نصوصها مسترسلة إلا أنني في خاتمة المجموعة اكتشفت أنني مررت بعوالم مختلفة في نفس الكتاب، كذلك هي تلك المجموعات الأخرى لغيرها المكثفة بشكل أبلغ، لكن من زاوية أخرى هناك خط عام لكل كاتب، حالة ذهنية مؤرقة قد تسقط بشكل لا واع على معظم ما يكتب، وقد يكون النتاج الإبداعي هنا بغض النظر عن جنسه هو نتيجة لما وصل إليه الكاتب بعد التجريب والبحث في أكبر ما يؤرقه كما ذكرت، وهو الأمر الذي لا أستطيع أن أقول إنني توصلت إليه بشكل ساطع بعد المجموعة القصصية الثالثة، لذلك قد تتنوع المناخات مضافة إليها الخطوط العامة لكل نص وعمل على حدة حتى أصل إلى سؤالي الأكبر الذي قد تنفلت عنه أعمال أكثر أهمية تحت خط الثيمة الواحدة”.

محاولة للنضج بشكل مغاير عن المألوف

وفي ذات السياق تساءلنا مع ضيفتنا عن أن المجموعة اهتمت بقضايا إنسانية أصيلة، وذهبت إلى قضايا قومية ووطنية إلى حد ما. ولكن، وسط هذا الاهتمام غاب الإنسان الإماراتي بتفاصيل حياته، وبهمومه اليومية. لقد ذهبت صالحة بنصها إلى الإنساني وتناست المحلي، خصوصا وأن هنالك تعتيما ثقافيا كبيرا حول ما يحصل في الإمارات كحالة إنسانية، لا كواجهة إعلامية تسوقها الشاشات والميديا. عن هذا الشأن تضيف صالحة قائلة “غالبا أنا لا أمنح شخوصي ملامح واضحة، فهي إنسانية بالدرجة الأولى كما ذكرت، إلا أنني ذهنيا، وأنا أكتب بعض النصوص، كنت أرى الشخوص محلية، صحيح أنني لم أمنحها الاسم والهيئة الإماراتية التي يتصورها كثيرون ربما، لكنني طرحت ما يتماس مع بعض همومها اليومية”.

قطيعة فيزيائية

تنتمي صالحة عبيد (مواليد الشارقة 1988) إلى جيل ثقافي له أسئلته المختلفة وقلقه خاص المنبت أو المنتمي إلى الجيل السابق عليه. وفي محاولة للاقتراب من عوالم هذا الجيل الإماراتي الثقافي الجديد ترى قاصتنا أن “هناك رؤية ضبابية بعض الشيء، ربما لأن هناك قصورا في الوصول إلى النتاج المادي لجيل سابق، ورقيا وإلكترونيا، أتكلم هنا عن النتاج الإماراتي بشكل خاص، وهو ما كان يجعلني دائما في حيرة من أمري من ناحية تكوين صورة أدبية واضحة المعالم، على الرغم من أنني التقيت شخصياً ببعض من قد نصنفهم من الجيل الإماراتي الأدبي السابق من أولئك الذين لم يختاروا عزلتهم الخاصة التي أحترمها وأستغربها أيضا، لكن اللقاء الفيزيائي يختلف عن اللقاء الفكري الذي تأتي النتاجات لتختزله على أكمل ما يكون إذا استعاض اللقاء بالشخص وخوض حوار معه، رغم الكثير من الجهود الفردية أحيانا والمؤسساتية التي تحاول أن تجمع بين جيلين، لكن تبقى هناك ثغرة محيرة، وهي ليست فقط في المجال الإبداعي، بل على أصعدة مختلفة، هل لأن القراءة قاصرة بين الطرفين، أم لأن اللقاءات ليست صادقة بما يكفي لخلق مساحة حوار وتقدير، بين جيلين يرى الحالي أنه يمتلك كل ما يجعله مؤهلا لأن يكون في الطليعة التي تلغي جهود أجيال سابقة بينما يرى الجيل السابق لأسباب متنوعة أنه قد لا يكون هناك ما قد يقال أو يؤثر أكثر مما سبق”.

وعن مآلات الربيع العربي تعتقد صالحة بأنه “من الصعب على جيل عاصر ذلك الفصل الذي يجب أن نبتكر له حاليا على الأقل اسما جديدا، أن يستقرئ مآلاته بشكل واضح، الأمر يحتاج لسنوات طويلة، لربما نشهدها كجيل معاصر، لكن هذا الصبر هو ما يخلق صورة فوضوية مربكة للوضع الآن، تجعل الأوساط العامة تشعر باختناق دائم في ما تواجهه من أسئلة يومية حول جدوى ذلك الربيع، وماهيته عما إذا كان ربيعا فعلا!. ونتائجه التي أرى أنه مازال من المبكر أن نبصرها بشكل كامل”.

وتضيف عبيد “أعتقد أننا يجب أن نبتكر فصلا جديدا في هذه المرحلة على الأقل لنطلقه على تلك الفترة التي أعقبت 2010 في الوسط العربي، فصل طويل يجمع بين تناقضات مناخية مختلفة، منها العاصف والمستكين، المزهر والدموي، الحار جدا والصقيعي في ما أعقبه إلى درجة الدهشة، وعليه ينطبق جميع ما قد يأتي تحته ففي حين رأينا خروجا عن النمط العام سياسيا، حيث الشعوب تخرج بصوت غير مألوف في مناطق بعينها، كانت التحولات الاجتماعية والثقافية تأتي لتعود إلى شيء من الردة الحضارية إن جاز لي القول، وعادت أسئلة كنا نعتقد أن المجتمع قد تجاوزها منذ فترة غير يسيرة كتلك المتعلقة بتمكين المرأة وتأثيرها في المجتمعات العربية وهو أمر لا جديد فيه تماما كمناقشة بعض النصوص الإبداعية وفحوى الطريقة التي يريد الكاتب بها إيصال فكرته لتعود معه مصطلحات هشة مثل “الأدب النظيف” و”الآخر المعاكس”، ثم إن المؤسف جدا وأنت تحاول أن ترسم صورة بانورامية للتيارات الفكرية العامة حولك، ترى أن جزءا أكبر من المشكلة ليس في عودة تلك الصراعات دون حل واضح بل إلى “التطرف” في جميع جوانبها يمينا ويسارا، مما لا يوصلنا إلى مساحة تنويرية”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر