السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

محمد خياطة يسرد قصة حب ملتهبة مع كرة خيوط سحرية

  • قدم الفنان التشكيلي السوري محمد خياطة مؤخرا في صالة “ذي غاليريست” البيروتية معرضا للوحاته الجديدة تحت عنوان “دواخل بيروت”، أكّد الفنان من خلالها استمراره في استنطاق الخط الدقيق وتحويره لجعله يبوح بأكثر ما في الذهن من أفكار ومشاعر، ولكن دون اللجوء إلى المباشرة المُملة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/06/24، العدد: 10316، ص(17)]

حنين حارق بلون الزرقة

بيروت - يمكن التأكيد على أن مسيرة التشكيلي السوري محمد خياطة الفنية بدأت سنة 2013، حين عرض مجموعة أعمال غلب فيها عنصر الخط على باقي عناصر اللوحة التشكيلية وخاصة اللون، حيث جاءت أعماله تعبيرية حتى أن الأولى منها كانت غير ذات حاجة، إذا صح التعبير، إلى غاية حضور اللون بشكل واضح أو إلى أي بنية تشكيلية معقدة.

أول معرض فردي له كان تحت عنوان “البيت رقم خمسة”، وضم مجموعة من الصور الفوتوغرافية التقطها عن تفاصيل البيت الذي كان يسكنه في دمشق القديمة، قبل أن ينتقل إلى العيش في بيروت بعد اندلاع الحرب في سوريا.

بعد هذا المعرض قدم الفنان معرضه التشكيلي الفني الأول تحت عنوان “السير على الخيط”، وكان امتدادا “نفسيا” لمعرضه السابق الذي لم يعرض فيه أي لوحة تشكيلية، حيث قدم الفنان معرضه ذاك بتلك الكلمات المؤثرة والبسيطة بساطة وعمق عالمه الفني “عن أخي الذي ملأ قاربا بجسده، ومضى بعيدا باحثا عن أمل جديد وسط الحيتان”.

اللون ضيفا

في معرض “البيت رقم خمسة” بدأ اللون الأزرق يتسلل إلى لوحات خياطة في هذا المعرض بالذات، وبدأت مع الزرقة قصة الفنان مع الخيط طواعيته وقدرته على البوح بكل ما يضطرب في نفس الفنان، لا سيما بعد بداية الحرب في سوريا.

كان اللون خجولا جدا في ذلك المعرض، وبالكاد ظهر لذاته، إذ كان حضوره أشبه بمرافقة للخيوط التي عكف الفنان على نسجها لتشكل بداية لعالمه الإنساني الرقيق والخاص جدا والمليء بالشخصيات الشبحية المُحببة والأشياء والمنازل الضيقة المتداخلة والمتواطئة ضمنيا، والتي كانت على طول ومنحدرات خيطانه المرسومة قاب قوسين أو أدنى من السقوط إلى متاهة عدم لا لون له، ولكن للمفارقة، عدم يمكن الرجوع منه وعنه بفعل حدث أو قوة ما.

ثم جاء معرضه الثاني، ثم الثالث منفذين أيضا بمادة “الخيط الأول”، إذا جاز التعبير، ولكن ليسرد أقاصيص شعرية حزينة جديدة، فيها الكثير من الهدوء الخارجي والصخب الداخلي، عن واقع واحد أسس بداية نصه التشكيلي، وهو واقع الهجرة والحرب والتشرد والحنين إلى وطنه سوريا.

اللافت في لوحات الفنان وصولا حتى معرضه الأخير، هو تماما تمظهر هذا الحنين النبيل بشكل غير معلن تماما، حنين يكاد يعتذر عن إفصاحه عن ذاته أمام المُشاهد بمسحات من المرح برع الفنان في تشييدها بصريا.

بدأ اللون الأزرق يعلن حضوره أكثر فأكثر في لوحات الفنان، وكان رقيقا أشبه بطيات من موج خفيف تراكم بعضه على البعض الآخر.

الزرقة في أيقونات الفنان سيدة الموقف والشريان الذي يمد اللوحات بحيويتها الشعرية والمحفوفة بالمخاطر

وجاء هذا المعرض الجديد لكي يفتح المجال بشكل أوسع لدخول الألوان وحتى الصاخبة منها كاللون البرتقالي إلى فضاء لوحته، دون أن يهزم السكون المسيطر على ملامحها، وبقي اللون الأزرق في معرضه الجديد، الأكثر تعبيرا عن دواخل الفنان وليس عن “دواخل بيروت”، وهو العنوان الذي أطلقه على مجموعة الأعمال الجديدة.

ويقول الفنان في تقديمه لمعرضه الجديد “أتيت إلى بيروت منذ أربع سنوات تقريبا مبتعدا عن أزمة بلادي الحارقة، باحثا عن ملاذ آمن لما تبقى مني، فكانت بيروت مقامي الأول والأخير لحد الآن.. لا أعرف تماما سرّ بقائي فيها، لعلها فوضوية هذه المدينة، أو كي أبقى قريبا من أسرتي العالقة في دمشق”.

ويواصل خياطة “تتحدث بعض الأعمال عن التوازن الداخلي وعن صعوبة الحفاظ عليه.. معرضي الحالي هو توثيق لحياة أشخاص التقيتهم أو سألتقيهم ويتشاركون العيش في مدينة كبيرة صغيرة كبيروت، تشغلهم أزماتها وفوضويتها عن أشياء كثيرة كما يشدّهم سحرها الأسود للعيش فيها”.

أزرق كزغب الهندباء

حافظ الفنان محمد خياطة على وجوهه اللطيفة والمطواعة والمتميزة بعيون صغيرة متوقدة وكثيرة التعبير، غير أنها أصبحت في هذا المعرض أقل ضياعا وتوترا. ارتدت بعض شخصياته أثوابا زرقاء اللون، وبعضها الآخر ارتدى زرقة ضمنية ليجلس بسكون وبين يديه مرطبان فيه رأس “من ماء” ممتن له لاختبائه من العالم المحيط، أو لكونه سرابا أو ذكرى بعيدة. سيجد الزائر وجوها كثيرة في لوحات محمد خياطة، هي وجوه لأصحاب جدد وغير جدد يشتركون في حالة واحدة ذكرها الفنان في تقديمه للمعرض بهذه الكلمات “في بيروت وحدها الأزمات تجعل الناس سواسية، صورهم وذكرياتهم في المدينة تتحدث عن أجمل وأسوأ ما فيها”.

تبقى الزرقة في لوحاته السابقة والجديدة على السواء سيدة الموقف والشريان الذي يمد اللوحات بحيويتها الشعرية والمحفوفة بالمخاطر، إنها زرقة أثيرية وإن اشتدت قوتها في بعض اللوحات، زرقة تعايشت مع خطر التبدد فامتصته إلى فراغها.

زرقة الفنان محمد خياطة، زرقة رمزية، تشبه كثيرا هيئة نبات الهندباء الربيعي وخاصة زغبه المتطاير عند أقل نسمة.

“أكثر لون أستخدمه في لوحاتي هو اللون الأزرق”، هذا ما قاله الفنان يوما، “أما العمل الذي يمثلني أكثر من غيره فهو لوحة بعنوان “بلو روم/الغرفة الزرقاء”، وهي توثق اللحظة التي كنت أحمل فيها حقيبة السفر مغادرا غرفتي وأهلي ووطني ومرسمي وريشتي وأدواتي”.

وتعود بنا الذكرى أمام أعمال الفنان إلى “مهى” الفتاة ذات الفستان الأزرق والملامح المُحببة والطريفة في لوحات سابقة، فتاة لوحة لملمت شتات الفنان لتصبح في أيقوناته الحاضرة الزرقة المُتجسدة والأمل في النفاذ من حنين حارق، حارق بلون.. الزرقة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر