الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

السيف والمبارك في معرض تشكيلي ثنائي بالبحرين

  • خاض الفنانان محسن المبارك من البحرين ونور السيف من السعودية غمار تجربة تشكيلية ثنائية جديدة، حاولا من خلالها أن يذهبا بأعمالهما بعيدا في فلسفة الإنسان وعزلته وتأمله الوجودي من خلال تركيزهما على العيون بوصفها بوابة كاشفة للحقيقة التي يختبئ وراءها الكثير من المسكوت عنه على المستوى الذاتي والاجتماعي والسياسي.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/06/24، العدد: 10316، ص(17)]

لا ملامح ولا هوية

شهدت مساحة “مشق للفنون” في العاصمة البحرينية المنامة مؤخرا معرضا ثنائيا للفنان البحريني محسن المبارك والتشكيلية السعودية نور السيف، حاملا عنوانين منفصلين تحت سقف مناخ فني واحد “عيون بلا عنوان” و”أيا كان سيكون”.

واشتمل المعرض على 44 عملا فنيا تنوّعت بين السريالي والتركيبي والمفاهيمي وأعمال حفر، واعتنى الفنانان في تجربتهما بشكل خاص بمجموعة بورتريهات منفصلة قدّمت للمتلقي حيوات متعددة لكائنات من العزلة التي استطاع السيف والمبارك، أن يحوّلا المتلقي عبرها إلى مادة للفرجة والمشاهدة في صورة فنية معكوسة يقوم فيها العمل نفسه بمراقبة الجمهور والحكم عليه وقراءته، وذلك من خلال إشراك المتلقي في تكوين بعض اللوحات الفنية بنفسه في مشهد تفاعلي مع مكوّنات العمل الفني عبر ارتداء الأقنعة أو النظارات المعدنية المطلية والوقوف خلف “البراويز” الفارغة.

تتمسك الفنانة السعودية نور السيف بموقفها الفني الساخر الذي اشتغلت عليه في تجربة سابقة قدّمتها في جدة قبل سنتين تحت عنوان “أن لا يحدث ذلك كله”، بمحاولتها كشف الواقع السوداوي البغيض للمثقف الخليجي المسكون، بحسب رأيها، بالجنس وثقافة الاستهلاك، والمليء بالتناقضات الفجة بين ادّعاءات كبيرة للحرية وممارسات نمطية توقعه في فخ الرجعية المطلقة.

فيجد المشاهد لتجربة السيف هذه المرة امتدادا لاشتغالها الأول، لكنه بصورة مكثفة أكثر مما سبق، فنشاهد في أعمالها الأحد عشر الرجل والمرأة يرتديان أقنعة بعيون محتجبة خلف مكوّنات رمزية تعزز من وجهة نظرها الخاصة في حقيقة العلاقات الإنسانية في المجتمعات المحافظة.

ونشاهد مثلا الرجل وهو يرتدي نظارة مكوّنة من حمالات الصدر النسائية، ورجلا آخر يحمل منظارا لكنه لا يشاهد سوى ما يريد أو يرغب في رؤيته، متمسكا بتحليلاته الأحادية غير الناضجة حول رؤيته للعالم العربي في زمن ما بعد الحرب.

فترى السيف فيه ذلك المثقف الذي لا يرى سوى من منظور واحد، لا يستطيع أن يسقط عنه خلفياته الثقافية والأيديولوجية، وحالات البداوة التي تسكنه.

وبينما تقف السيف بهذه النظرة المتطرفة لواقع المثقف الخليجي نجدها تتعامل مع المرأة بيد من حرير، فتحاول عبر لوحاتها أن تجعلها في حالة تطهّر كامل، فتقدّمها في صورة الحرة الثائرة على التقاليد والموروثات، والباحثة عن ذاتها وسط مجتمعها الذكوري الصارم، لتتساءل نور مع بطلاتها وأبطالها الذين يسكنون الإطارات عن جدوى كل هذه الأقنعة.

وتقول السيف عن تجربتها لـ”العرب” “إنها سخرية، والسخرية لا تكتفي بأن تكشف لنا عمّا يحدث للبطل الموجود كتكوين رئيسي أو كصورة غرائبية، بل تبين ما يمكن أن يحدث لأي فرد ذي طبيعة متشابهة، ويوجد في ظروف كتلك التي وجد نفسه فيها، فالقوة والحرية والاستقلالية التي تحول حياة البطل إلى مأساة، إنما تؤثر في حياة غيره من الناس، حتى وإن كانوا يعيشون في أزمنة وأمكنة أخرى”.

المعرض الثاني شمل 44 عملا فنيا تنوعت بين السريالي والتركيبي والمفاهيمي وأعمال حفر

وبعد ثلاث سنوات من العزلة الفنية التي لم يخرج منها إلا نادرا عبر مشاركاته القليلة في معارض جماعية، قدّم محسن المبارك تجربة “عيون بلا عنوان” عبر 33 عملا متنوّعا اختار لمعظمها الألوان الغامقة التي يعتبرها ذات وضوح تعبيري عال سبق وأن تعامل معها باحترافية كبيرة، حين قدّم تجربة المادة المكوّنة من القهوة عام 2010.

جعل المبارك ثيمته الفنية في هذه التجربة العيون المتوارية بعلب معدنية مطلية، ليؤكد حالات التشاؤم التي تسكنه عبر الهروب من واقع العيون التي يعتبرها المبارك منطقة غير آمنة وغامضة لا يمكن كشفها أو التعامل معها دون خوف أو قلق أو ارتياب، لهذا قام المبارك عبر لوحاته بإعادة تشكيل منطقة جديدة للعلاقات الإنسانية عبر تكوين عيونه الخاصة التي لا تمتلك ملامحها ولا نظرتها الكاشفة.

لا يخفى على المتابع لتجربة المبارك أن شاعريته تندلق برفق كبير في تفاصيل تجربته الفنية، لهذا نجده يمرر جمله الشعرية عبر بعض لوحاته لشعوره بأنهما في حالة تماهٍ وتجاذب يمكن تقديمها في عمل فني واحد. فنجد بعض اللوحات مشغولة بجمل مثل “لو لم تكن السماء زرقاء”، و”كيف تموت بمنتهى الحرية”، و”استيقظت من الحلم” و”كان الليل لي وحدي”، ومن هنا يتساءل المبارك في لقائنا معه عن مدى قيمة هذا التوظيف الشعري الفني، ويرى محسن أن النص فعلا يضيف للوحة واللوحة تضيف للنص.

ويقول المبارك “أنا مدين للكثير من العيون في هذه الحياة، تلك العيون التي منحتني الخوف والقلق، وشكّلت لي منطقة غير آمنة للحياة، هذه العيون وحدها من استطاعت رغم غيابها أن تقول أكثر مما يقوله فم الحياة كلها”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر