الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

كويت الذاكرة

لوحة الفنان حسين أيوب تشكل رحلة سياحية افتراضية إلى البيئة الشعبية الكويتية مع كل ما تتضمن من ملامح معمارية، كالأبواب والأفاريز والدكاكين والأحياء.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/06/24، العدد: 10316، ص(17)]

يجيء فصل الصيف هذه السنة مباشرة بعد نهاية شهر رمضان الكريم، لتكثر الإعلانات عن الرحلات السياحية إن من خلال الملصقات في الشوارع أو من خلال البرامج التلفزيونية المتخصصة بعرض أروع المشاهد من العالم.

ومع ذلك، فإن أصوب ما في هذه الإعلانات، هو أنها تذكر الكادحين طوال السنة بأن ثمة شيئا آخر في هذه الحياة غير العمل المتواصل، أما بالنسبة إلى الذين لن يتمكنوا من السفر، أو أخذ عطلة صيفية بسب ضغط العمل أو ضرورته، فتلك الإعلانات قد تشكل بالنسبة إليهم، رحلة سياحية بحد ذاتها، رحلة يسرح فيها الخيال وتتبلور عبرها الأمنيات.

غالبا ما كنت أحلم بالسفر إلى بلدان أخرى، وكنت أتمكن من ذلك في الماضي غير البعيد بسبب حياة عملية أقل وطأة، ولكن اليوم أكتفي في معظم الأحيان بالخيال السارح والأمنيات بالإفلات من قبضة الواقع الراهن.

من البلدان التي لم أفكر يوما بالذهاب إليها هي الكويت، ليس لأنني لا أحب الذهاب إليها، بل لأنني لم أكن أعرف عنها شيئا، غير أنني أعدت النظر في ذلك بعد أن تعرفت وعن طريق الصدفة على لوحة للفنان التشكيلي الكويتي حسن أيوب.

فمن ناحية رأيت في الفن التشكيلي القدرة الكبيرة على استجلاب الاهتمام ببلد بغض النظر عن واقعية تلك الأعمال، ومن ناحية أخرى وجدته أقدر من الفوتوغرافي على التعبير عن روح المشهد.

من المعروف أن دولة الكويت عملت على الحفاظ على التراث والتقاليد الشعبية، وذلك عبر تسجيل المشاهد من خلال وثائق مكتوبة وصور فوتوغرافية وبحوث.

قد يكون من أهم ما اهتمت به في هذا المجال، هو تسليط الضوء على الفنان أيوب حسين الذي له أكثر من 600 لوحة تمثل البيئة الكويتية التقليدية، طبعت العديد من أعماله على الروزنامات، كما حملت بعض النقود الورقية الكويتية لوحاته أو أجزاء منها.

تشكل لوحة الفنان حسين أيوب رحلة سياحية افتراضية إلى البيئة الشعبية الكويتية مع كل ما تتضمن من ملامح معمارية، كالأبواب والأفاريز والدكاكين والأحياء. وجدتني أتفرج على تلك اللوحات كمن يفتح بابا سحريا ليدخل إلى الأزقة القديمة تحت وطأة الشمس الحارقة، ليأخذ فيّئا هانئا تحت شجرة من أشجار العرفج ويتناول القهوة في فنجان أبيض عميق، وبضع حبات من تمر رطيب موضوع على صحن منقوش بتفاصيل جميلة.

في تلك الأزقة تنقلت. كان الزمن بطيئا والمكان منفتحا على دواخل قلبه، رأيت أصحاب الحرف التقليدية منهمكين في صناعتهم لأشياء كان يستخدمها الناس.

تعرفت على العادات الاجتماعية والأزياء، وحلمت بامتلاك وشاح أبيض شفاف ومرتجف عند أدنى نسمة، وخالطت الأطفال السمر لعبت معهم بألعاب توارثوها عن أجدادهم، ومنها بضعة ألعاب اكتنزتها طفولتي في بيروت.

بقيت أمام هذه اللوحات وفي قلبها طويلا، وتمنيت لو أبقى في عين بضعة فتيات ملتحفات بالألوان، وكأنني منهن ليطول حلولي عليهن، أنا القادمة من خارج اللوحات، ببساطة وثقة ودون حذر وزيف الراشدين.

وقفت أمام بائعة السمسمية وأمام بائع الخبز، تملحت بخبزه الطازج قبل أن أقصد شواطئ اللؤلؤ والقوارب الخشبية، ثم كان لا بد من أن أقصد لوحة فيها جاسم البوسطة لأتحقق منه، من صورته، إن كانت ثمة رسالة استدعاء تطلب مني العودة إلى الواقع الفجّ، أما ساعي البريد هذا فهو الذي اشتهر بين الناس باسم وظيفته.

في نهاية تجوالي قصدت أحد سطوح المنازل لكي أنام في إحدى الأسرة “الصيفية” المصنوعة من القصب، لعلي أستفيق إلى خارج اللوحات.

لا تنظر الشخوص في لوحاته إلينا، فهو ليس، أي الفنان، معنيّا بابتكار مشاهد فولكلورية لجذب السائح الأجنبي، إنها أعمال تنضح بالصدق وتشي برغبة الفنان في توثيق الزمن الجميل وإحياء تفاصيل عكفت ذاكرته الشخصية على استرجاعها، ولم يخبره أحد عنها.

هذه هي لوحات الفنان الكويتي أيوب حسين، توثيقية ولكنها نابضة بالحياة ومرسومة بشغف كويتيّ ومهداة إلى أجيال الكويت الناشئة، وإلى كل من أراد أن يذهب في رحلة سياحية افتراضية مُحملة بعبق الحياة البسيطة والرغيدة.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر