الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الفلوجة وسرت: وجهان لمأساة واحدة

لا أحد يمكن أن يدافع عن داعش، ولكن الحرب على هذا التنظيم يمكن أن تكون مشروعا وطنيا تنفذه قوى نظامية تمتلك أخلاقا عسكرية، وتدافع عن وحدة الشعب، وتحترم إنسانية الإنسان، وتخضع للقانون والمحاسبة.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/06/24، العدد: 10316، ص(9)]

بعد أن تمت الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين في العام 2003 تحولت الفلوجة إلى أيقونة المقاومة العراقية، وتعرضت إلى واحدة من أبشع وأشرس حملات التقتيل والتهجير والقصف بالغازات المحرمة دوليا، ووجه إليها الأميركي والإيراني والعراقي، المتمذهب صفويا، تهمة التصقت بها وهي أنها مدينة أزلام، وأنها خارجة عن شرعية الحكم المركزي الذي يعني أساسا حكم الميليشيات في بغداد.

وفي العام 2011، وقبل وبعد الإطاحة بنظام الزعيم الليبي معمر القذافي، تعرضت سرت الليبية إلى عملية تخريب وتدمير ممنهجة، نفذتها الميليشيات المناطقية والإخوانية تحت شعار تحرير المدينة من الأزلام، وفيها تمت تصفية معمر القذافي ونجله المعتصم بعد أسرهما، كما تعرّض الآلاف من أبناء سرت للتهجير أو للاعتقال، ولم تترك الميليشيات شيئا إلا ونهبته بعد أن أفتى الصادق الغرياني، مفتي الإخوان، بأن من حق الثوار الاستيلاء على غنائم الحرب.

وكما فعل حكم الميليشيات في بغداد بالفلوجة، فعل حكم الميليشيات في طرابلس بسرت، حيث صمّت الآذان على مطالب السكان المحليين، وتم رفض كل مبادرات العفو العام والمصالحة وتجاوز صفحة الماضي، وتعرض أبناء المدينتين إلى محاولات الإذلال والإهانة، وإلى خطاب الشماتة في ما هم عليه، وخوطبوا بلغة التشفي والحقد والكراهية من قبل قوى الإسلام السياسي المتشددة في وجهين لعملة واحدة: أحدهما شيعي في العراق، وثانيهما سني في ليبيا.

وبفعل فاعل، تم تسليم المدينتين إلى الجماعات الإرهابية، فكان داعش في سرت ابنا شرعيا انحدر من صلب تنظيم أنصار الشريعة الذي كان حليفا أساسيا للميليشيات الإخوانية، والذي دخل المدينة منذ العام 2011 برعاية حلف الناتو وبتمويل من الثروات المنهوبة والمسلوبة والمختطفة من مؤسسات الدولة، وكذلك من الغنائم بعد استباحة أملاك السكان المحليين، لتتحول سرت إلى فاصل جغرافي بين شرق وغرب ليبيا تمهيدا لمشروع التقسيم.

كما تم تسليم الفلوجة إلى داعش تحت أنظار وأسماع القوى المؤثرة في المنطقة والعالم، بهدف بث الفوضى في المناطق السنية تمهيدا لفصلها عن العراق، وتم تجريم أهلها بدوافع مذهبية وطائفية لطمس معالم الخلاف الحقيقي المرتبط بقيم التحرر والعدالة والسيادة والمساواة، وجرى تعريف المدينة الصامدة رغم نكبتها على أنها مارقة ومتمردة على الدستور والقانون والنظام، بما يعطي لأعدائها فرصة الانقضاض عليها عندما تحين الفرصة.

اليوم، تتعرض الفلوجة وسرت إلى دمار ممنهج، سواء من قبل ميليشيات الحشد الشعبي في العراق، أو من قبل ميليشيات فجر ليبيا المرتبطة بجماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة، ويتم قصف السكان المحليين بمختلف أنواع الأسلحة تخليصا لثارات من نظامي صدام والقذافي، وإنجازا لبقية مخطط التخريب تحت غطاء دولي لا يهم القائمين عليه أن يتعرض المدنيون للتقتيل والتهجير والتعذيب والنهب والسلب والإهانة، وإنما فقط يهمهم أن ينجح مشروعهم في المزيد من بث الأحقاد بين أبناء الشعب الواحد والوطن الواحد والأمة الواحدة.

لا أحد عاقل يمكن أن يدافع عن داعش، ولكن الحرب على هذا التنظيم يمكن أن تكون مشروعا وطنيا تنفذه قوى نظامية تمتلك أخلاقا عسكرية، وتدافع عن وحدة الشعب، وتحترم إنسانية الإنسان، وتخضع للقانون والمحاسبة، لا ميليشيات منفلتة يجـرها الحقد الأعمى والبحث عن الغنائم تحت أنقاض المجتمعات المحلية، وتعبث بها فتاوى دعاة الفتنة من أساطين التجارة بالدين الراكبين صهوة الحسابات السياسية سواء أكانت مذهبية أم طائفية أم حزبية أم مناطقية.

كاتب تونسي

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

:: اختيارات المحرر