الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الحداثة السعودية من حفلة الصحوة إلى اللامنتمي

حين أضيق الجغرافيا، وأقف عند التجربة السعودية بالتحديد، أجد أنه ليس ثمة حداثة بمعناها الحقيقي يمكن الحديث عنها، فالحداثة -كما أفهمها- تفترض الثورة من الداخل.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/06/26، العدد: 10318، ص(11)]

ثورة من الداخل

سأعود بذاكرتي لعام 1992، حين كان حسان عطوان يقدّم برنامجاً في إذاعة قطر مساء كل أحد تحت عنوان “شاعر ينشد”، استضاف فيه نخبة من الشعراء العرب، أمثال: محمد الماغوط وأدونيس ويوسف الصايغ وعلي الجندي ومحمود درويش ونزار قباني والمنصفيين؛ المزغني والوهايبي وآخرين، ربما لا تسعفني الذاكرة لعدّ جميع أسمائهم. لكنها ستسعفني بالتأكيد في كوني لم أكن ممتناً إلا لهؤلاء القادمين عبر الأثير. حيث كانت الفضائيات لم تولد بعد، والدواوين الشعرية والكتب الفكرية شحيحة جداً. ولم تكن متاحة إلا عبر مكتبات شخصية قليلة للغاية، أو عبر مكتبات صغيرة عامة أكثر ندرة.

وعليه، أعتقد أنه سيكون من الإجحاف إعطاء الفضل لمن لا يستحقه، كأن يدّعي البعض بأنه يدين لمثقفي الحداثة في السعودية بالفضل في تشكّل وعيه الثقافي الأول. فهذا الادّعاء لن يصمد أمام التاريخ، وهو مجرد مجاملة مضحكة لجيل ديناصوري سبقنا في الزمن لكنه موازٍ لنا في موارد ثقافته وتجربته.

بداية تسعينات القرن العشرين، كانت المرحلة التي تشكّل فيها وعينا الشعري والثقافي والسياسي حيال ما يدور في العالم، وأتكلم هنا عن جيلي، المولودين في بداية ومنتصف السبعينات الميلادية من القرن الماضي، حيث التغيرات العربية اليسارية البارزة التي استبدلت كراسي العثمانيين والمستعمرين بكراسِ دكتاتورية أكثر دموية عرّاها الربيع العربي لاحقاً.

وحيث بداية تشكّل التحالفات العربية العربية إبّان الحرب العراقية الإيرانية التي ما إن اندلعت سنة 1980 حتى انتهت في ثماني سنوات سريعة عجاف. كنا فيها أطفالاً نعيش صراعنا الصغير بين مَنْ كان يرفع صور الخميني في بيته سراً، وبين مَنْ كان يرفع صور صدام حسين علناً. انتهت الحرب، وغزا العراق الكويت، فتوارت صورة صدام للجدران السرية، بينما تقدّمت صورة الخميني للواجهة العلنية. وبقيت الشعارات الثورية حبيسة المواقف المتغيّرة السريعة.

فبعد أن كان صدام شرطي الخليج وحارس البوابة الشرقية أصبح بين عشية وضحاها الطاغية والمستعمر، وبعد أن كان الخميني رافضياً مجوسياً صار عالماً ربانياً ومسلماً صديقاً.

هذا الصراع العربي العربي والعربي الإيراني بكل ما فيه من تناقضات وتقلبات سريعة ومربكة لم يبعد عيوننا الصغيرة عن فلسطين المحتلة. فقد كانت قناعتنا بأن هذه القضية هي قضيتنا الوجودية الحقيقية، وإنّ كل ما سواها مجرد زبد سرعان ما سيأخذه البحر. لهذا كانت حركة الحداثة تشكّل لنا هاجساَ جديداً وسؤالاً محيراً حول مدى جديتها في تقديم ما فشلت فيه التنظيمات اليسارية. فلم يكن مستغرباً أن تتعلّق عيوننا على الجيل السابق متسائلين عمّا أفرزته حركتهم الثقافية حينها من نتائج يمكن الرهان عليها واعتبارها أرضاً صلبة للوقوف وللطيران الحر.

كان سؤالنا يكبر مع كل كتاب مهرّب نقرأه، أو مقالة منشورة تصل إلينا أو مجلة ممنوعة فلتت من عيون الرقيب لتصبح بين أيدينا وتشكّل وعينا الجديد حيال سؤالنا عن دور المثقف العربي وسط هذا التشظّي، وحول أثر الحداثة العربية في تغيير الواقع المتهالك من حولنا. وبالطبع، كانت أسئلتنا الثورية متأخرة مقارنة بما آلت إليه الأحزاب السياسية اليسارية من دمار واستسلام وانقلابات كبيرة في العمق.

تخطيط: ساي سرحان

لم يكن أمام هذا الجيل السعودي سوى أمرين: الأول، التديّن الفطري الثوري، والدخول في الأحزاب السياسية الإسلامية مثل حزب الله الذي تشكّل بعد اجتياح بيروت سنة 1982، أو حركة الأفغان العرب التي تشكّلت بواكيرها الفعلية منذ حركة جهيمان في 1980. والثاني، تبنّي الأفكار البائتة للتنظيمات اليسارية السرية التي أغلقت دكاكينها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في 1991.

وفي ظل غياب الجمعيات والأحزاب السياسية كان من الطبيعي أن تجد غالبية هذا الجيل نفسها صاحبة انتماء ديني إما صحوياً إخونجياً أو خمينياً حزبياً. لكن، لن نجد أحداً منهم يسارياً أو شيوعياً أو قومياً أو ناصرياً إلا إن كان في حالة سبات شتوي لم يصحُ منه إلا بعد انتهاء الحفلة، فوجد نفسه مضطراً أن يركض خلف القافلة حاملاً شعار “اللامنتمي”.

هذه النتيجة تقودني من جديد لمربع السؤال الأول، أين هي الحداثة؟ وكيف لم تحمِ هذا الجيل بأكمله من السقوط في مستنقع التيارات الدينية؟ كيف لجيل سابق ألا يكون له حضور في جيل لاحق إلا إن كان مجرد وهم حداثي على ورق شعري؟!

حين أضيّق الجغرافيا، وأقف عند التجربة السعودية بالتحديد، أجد أنه ليس ثمة حداثة بمعناها الحقيقي يمكن الحديث عنها، فالحداثة -كما أفهمها- تفترض الثورة من الداخل، ليس على الأجوبة فحسب، بل حتى على الأسئلة نفسها.

ولا بد بالضرورة أن يواكبها فعل ثقافي وسياسي وفلسفي، يكون رافعتها الوجودية ناحية الحرية. وكما نعلم فإن بواكير هذا الفعل السياسي انطلقت في أواخر ستينات القرن العشرين حتى منتصف سبعيناته. لكنه لا أحد من مثقفي المرحلة استطاع أن يتحمّل عواقب الاستمرار في اجتراع الفعل الثقافي إلا في حدود معركة ذات بعد اجتماعي ضيّق. وأعني به معركتهم مع الإسلاميين سواء مع تيار الصحوة أو تيار تصدير الثورة الإيرانية، دون أن تتعدّاها لمنطقة أكثر سخونة تمسّ الدين أو السياسة. وحتى أكون موضوعياً، هنالك مثقفون قليلون جداً نذروا أنفسهم للتغيير لكنهم سرعان ما اختفوا عن الساحة مختارين الصمت.

في رأيي، إن ما حصل في السعودية كان بسيطاً جداً، مثل زوبعة في فنجان، ولم يكن بحاجة لكل هذه الجلبة، وبإمكاني اختصار حكاية الحداثة السعودية كالتالي: هنالك مثقفون كانت لهم مشاكلهم مع رموز التيار الإسلامي المتطرف في كل شيء يمسّ بحرياتهم أو بأفكارهم الشخصية فانتقدوهم وصبوا جام غضبهم عليهم دون أيّ إشارة للفزاعة التي أوجدتهم. ولولا هذه المعاركة الشخصية الثنائية لما وجدنا لهم الآن أثراً في سماء الفعل الثقافي العربي، وربما أكثر الأدلة وجاهة على ذلك هو تماهيهم مع جميع المكوّنات الثقافية والسياسية في المملكة، بل إن بعضهم كانوا صنّاعاً لهذه المخرجات، والبعض الآخر تحوّلوا في فترة وجيزة لمستشارين في تكريس النمطية التقليدية.

كاتب من السعودية

زكي الصدير

:: مقالات أخرى لـ زكي الصدير

زكي الصدير

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر