الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

فيلم 'خلية' الهواتف النقالة تفتك بالبشر

  • العالم الممتد من حولنا يمتلئ بالأشعة الكهرومغناطيسية التي تبثها العديد من الأجهزة الإلكترونية ومعدات الاتصال، حتى صرنا نعوم يوميا في وسط بحر شاسع من تلك الأشعة والإشارات اللاسلكية، لا سيما تلك التي تحرك الاتصالات في حياتنا اليومية، فماذا لو بدأت تلك الأشعة والإشارات تجد لها مستلمات حسية وعصبية لدى البشر؟ وماذا لو تفاعل البشر مع تلك الإشارات وصاروا مجبرين ومسيطرا عليهم بشكل ما، حيث تصبح تلك الإشارات سببا في قلب حياتهم رأسا على عقب، ذلك ما تبحر فيه عميقا رواية الخيال العلمي التي تحمل نفس الاسم للكاتب الأميركي ستيفن كينك، والتي قام المخرج تود ويليامز بتحويلها إلى فيلم تحت عنوان “خلية” ويعرض حاليا في الصالات في الولايات المتحدة وأوروبا.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/06/27، العدد: 10319، ص(16)]

للهواتف الجوالة مفاجآت مرعبة

يوم يبدو عاديا تماما في أحد المطارات الأميركية، والكل منهمك في مراحل الإجراءات الأمنية والمرور عبر أجهزة الفحص بالأشعة السينية، بينما قسم آخر لا ينقطع رنين هواتفهم يتواصلون مع أعزاء لهم أو من لهم مصالح معهم، ولكن فجأة يقع ما هو غير متوقع.

تضرب الإشارات الكهرومغناطيسية القادمة من الهواتف النقالة أدمغة كل من يستخدمها ويصبحون خاضعين لسيطرة تامة من مصدر الإشارات، حتى يفقدون السيطرة على أنفسهم ويتحولون فجأة إلى كائنات زومبي يقتل بعضها بعضا في مشهد مروع تمتلئ فيه صالات المطار بالدماء والقتلى، ذلك ما يفتتح به المخرج تود ويليامز أحداث فيلم “خلية” (إنتاج 2016).

شخصيات تعيش في مآزق متلاحقة، ويتم من خلالها التصعيد الدرامي وقطع الأنفاس، الناجون هما اثنان فقط، كلاي (الممثل جون كوساك) رجل يريد رؤية ابنه الصغير بعد فراق بسبب الطلاق مع أمه، وتوم (الممثل صامويل جاكسون) سائق قطار الأنفاق اللذان يفران من حشود البشر الزومبي.

هنالك استخدام متقن للإحساس بالحصار النفسي والجسدي الذي تعيشه الشخصيتان، ولاحقا تلتحق بهما إليس (الممثلة كاثرين ديايير) التي كانت قد أجهزت توا على أمها، ثم عادت إلى رشدها، لكنها أيضا سوف تقتل في إحدى غزوات الزومبي.

يختلط في دراما الحصار النفسي والجسدي الكانيباليون والزومبي عن سائر البشر، فبمجرد أن يغامر شخص ما بوضع سماعة هاتفه النقال على أذنه يصبح جزءا من النظام، وهكذا صار سواد الناس خاضعين لا إراديا لسيطرة خارجية لا خلاص منها من خلال الإشارات التي تصدرها أبراج الاتصالات التي تنتشر في كل مكان.

مذابح جماعية

السرد الفيلمي الذي يغوص في الخيال سرعان ما سيمتزج بالرعب، وكل انتقال في الأحداث ما هو إلاّ انتقال إلى مذبحة أخرى، بعد أن فقد الناس صوابهم وخرجوا عن السيطرة، وصار لزاما على الأحياء والناجين أن يتصدوا بكل الوسائل للقضاء على الزومبي الهائج.

السرد الفيلمي الذي يغوص في الخيال سرعان ما سيمتزج بالرعب، وكل انتقال في الأحداث ما هو إلا انتقال إلى مذبحة أخرى

يدخل كلاي وتوم وإليس إلى أحد المنازل التي أبيد سكانها، فيجدون مخزنا للسلاح والذخيرة يعينهم في حفلات القتل في مشاهد قطع الأنفاس في وسط الغابات والشوارع المهجورة، ليكتشف الناجون في ما بعد أن تلك الكائنات تفقد الحس وتنطفئ عنها الإشارات في الليل، ولهذا تكون الفرصة مواتية لرشها بالبنزين وإضرام النار فيها. ذلك ليس إلاّ مثال من أمثلة في فيلم يعج بمشاهد الإبادة لعالم مستقبلي سيتحول فيه جهاز الهاتف النقال إلى عدو فتاك.

مفاجآت متعددة

تلفت النظر خلال تلك الرحلة الشاقة، الانتقالات والتحولات في السرد الفيلمي مصحوبة بتحولات مكانية، ففي كل مغامرة هنالك أماكن ستشهد مفاجآت جديدة، المقهى الذي يختبئ فيه البعض من الناجين، الأكاديمية التي لم يبق فيها سوى رئيسها وشاب صغير وبيوت مهجورة إلاّ من ناجين قلائل، هذا هو الإطار الذي يمضي فيه السرد الفيلمي، وهو يمضي برشاقة إلى مساراته.

وخلال كل ما سبق، لا نتوقف عن اكتشاف المكان وهو في الغالب إما معتم أو قليل الإضاءة، وبهذا صارت الإضاءة عاملا إضافيا في رسم المكان الكابوسي، وصار البحث عن متنفس وملاذ آمن هو الذي يحرك السرد الفيلمي، وبالتالي يتم من خلاله المضي في إبراز خصوصيات المكان، وبهذا برزت جماليات السرد والمكان متلازمين في مسار الأحداث.

وما يلفت النظر أيضا في الفيلم، تلك الحوارات المعمقة والمدروسة بعناية معبرة عن الشخصيات المأزومة، وخاصة تلك الفلسفة العميقة التي يخرج بها رئيس الأكاديمية، بأن ما يجري هو عملية مقصودة تقع فيها السيطرة على البشر بأبسط الطرق والوسائل، وتاليا الإجهاز عليهم والتخلص منهم، وكأن هنالك قوة ما خفية تلك التي أنتجت كل هذا الرعب والهلع والدماء لكي تسيطر على المتبقين من البشر الذين يشعرون في كل لحظة أن العالم يضيق والتهديد قائم، يتربص بهم وبانتظارهم.

وربما يعتبر أجمل ما في فيلم “خلية” هو ذاك البعد الإنساني المؤثر في البحث عن الابن باعتباره ثيمة درامية وسردية، ما لبثت أن أسهمت في حبكة مفاجئة أن الأم تحولت إلى زومبي، فيما كلاي يمضي بالمغامرة إلى نهايتها ليتحقق التحول الدرامي والانتقال من الجو الكابوسي إلى أجواء الحياة الطبيعية في المشهد الختامي، بعد أن ينجح كلاي في إنقاذ ابنه، فتراهما يسيران معا على سكة قطار مهجورة تحف بهما الأشجار من كل جانب.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر