الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

التطرف الإسلامي واليمين الأوروبي… محاولة للفهم

المحاذير الموجودة في الإسلام الأوروبي يمكن أن ترتد سلبا على وجود المسلمين، في وقت توضع هذه الجاليات تحت المجهر لدى الحكومات الأوروبية المتوجسة من انتشار خطابات العنف والتطرف.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/06/27، العدد: 10319، ص(8)]

يطرح الوجود الإسلامي في أوروبا إشكاليات على قدر كبير من التشابك، بالنظر إلى طبيعة المجتمعات الأوروبية والثقافة السياسية السائدة، وخصوصية الجاليات المسلمة المقيمة في الديار الأوروبية، ونوعية التماس الذي يحصل بين الطرفين، في ظل حالة التدافع السياسي التي تحصل بين الأحزاب والمنظمات الأوروبية، والتي تستدعي، في غالب الأحيان، امتطاء الحضور الإسلامي لأهداف انتخابية، في سياق ثقافة المغالبة التي تطبع المجتمعات الديمقراطية.

واحدة من هذه الإشكاليات تتمثل في احتمالات التقارب الذي قد يحصل بين اليمين الأوروبي المتشدد، وبين أفراد من الجاليات المسلمة، بهدف توظيفها في خدمة الأجندة السياسية الداخلية. وتبدو المعادلة هنا مثيرة للتساؤل، ففي الوقت الذي نجد أن هناك شبكات إسلامية متطرفة تحاول استقطاب الملتحقين الأوروبيين الجدد بالإسلام، هناك في المقابل تنظيمات أوروبية متطرفة تسعى إلى تقديم خدمات لهيئات معروفة بالتشدد، والتشجيع الضمني للإسلام المتطرف نكاية في الحكومات.

برزت هذه القضية في الآونة الأخيرة في إقليم كاتالونيا بأسبانيا، الذي يطالب بالاستقلال عن الدولة المركزية ونظم في نوفمبر 2014 استفتاء رمزيا لتقرير المصير رفضته حكومة مدريد لمخالفته الدستور. ففي تقرير حديث لاتحاد الجمعيات الإسلامية، الذي أنشئ عام 1980، تبين أن خمسين ألف مواطن أسباني تحول إلى الإسلام حتى هذا التاريخ، وهو رقم كبير إذا تم احتساب عدد المسلمين في أسبانيا الذي لا يتجاوز المليون ونصف المليون تقريبا، مقارنة بفرنسا التي يبلغ عدد المتحولين إلى الإسلام فيها السبعين ألفا، لكنه يبقى عددا قليلا قياسا بستة ملايين مسلم، وذلك حسب بيانات الاتحاد نفسه.

أما في إقليم كاتالونيا، فإن عدد المتحولين إلى الإسلام منذ العام 2010 فقط بلغ سبعة آلاف شخص، وهذا رقم كبير في مدة لا تتجاوز الخمس سنوات. ويقول مراقبون إن هذه الكثافة في أعداد المسيحيين الذين يعتنقون الإسلام في هذا الإقليم ترجع، بوجه خاص، إلى الحراك السياسي والثقافي السائد فيه، بسبب شيوع الخطاب القومي المتشدد الداعي إلى الاستقلال عن أسبانيا، بحيث لا يجد أتباع التنظيمات السياسية المتطرفة في الإقليم صعوبة في الانتقال من تطرف إلى آخر.

تقرير اتحاد الجمعيات الإسلامية خضع للدراسة والتحليل من لدن الحرس المدني الأسباني، لتكون النتائج مثيرة للاهتمام؛ فقد تبين، من بين السبعة آلاف شخص الذين اعتنقوا الإسلام في كاتالونيا، أن سبعين في المئة منهم كانوا ينشطون ضمن صفوف أحزاب قومية متطرفة في الإقليم، وخاصة من حزبين رئيسيين، الأول هو حزب الوحدة الشعبية، وهو حزب يساري متطرف أنشئ عام 1979، والثاني هو حزب “اليسار الجمهوري لكاتالونيا”، الذي ظهر عام 1931. وحسب الخلاصات التي توصل إليها الحرس المدني، فإن 2800 شخص من هؤلاء، أي حوالي 40 في المئة، يحتمل أنهم انخرطوا في الفكر المتطرف “بشكل أكثر تقدما”، بينهم مئة وأربعون شخصا، أي حوالي 5 في المئة من ذلك العدد، يمكن أن يشكلوا خطرا حقيقيا على الأمن الداخلي لأسبانيا.

الأكثر من ذلك، رصد التقرير العلاقات النوعية ما بين الحكومات المحلية المتوالية في كاتالونيا، ذات النزعة الانفصالية، والجمعيات الإسلامية المتشددة القريبة من الفكر السلفي، وسياسة التساهل التي كانت تتعامل بها هذه الحكومات مع تلك المؤسسات الدينية. وبحسب التقرير، فإنه من بين 1264 مسجدا في مختلف أقاليم أسبانيا هناك 216 مسجدا في كاتالونيا وحدها، ومن بين 98 مسجدا تتهمها السلطات الأسبانية بنشر التطرف الديني هناك 50 مسجدا منها يوجد في الإقليم، وهو ما يعدّ مؤشرا على تنامي التطرف فيه وفقا للتقرير.

يمكن أن نعتبر هذه الخلاصات موجهة إلى تصفية حسابات سياسية ما بين الحكومة المركزية والأحزاب المتطرفة في الإقليم، ولكنها على الجانب الآخر تسلط الضوء على محاذير موجودة في الإسلام الأوروبي يمكن أن ترتدّ سلبا على وجود المسلمين، في وقت توضع هذه الجاليات تحت المجهر لدى الحكومات الأوروبية المتوجسة من انتشار خطابات العنف والتطرف في أوساط الجاليات المسلمة.

كما أن تلك الخلاصات تعيد طرح تساؤلات بخصوص نوعية الخطاب الديني الذي تنشره البعض من الجمعيات والهيئات المحسوبة على الإسلام في أوروبا، وبالأخص ذلك الخطاب الذي يتلقاه المعتنقون الجدد للإسلام؛ إذ الواضح أن السلالة التي ينتقل بها المواطن الأوروبي المتطرف -المنخرط في هيئات حزبية متشددة- من تنظيمات متطرفة إلى الإسلام المتطرف من شأنها أن توجه أصابع الاتهام إلى تلك الخطابات الدينية، باعتبارها خطابات تساير خطابات التطرف القومي وتتماهى معها، إلى الحدّ الذي لا يشعر معه الشخص المتحول بوجود مسافة أيديولوجية أو فوارق بين الاثنين.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر