الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

هوية المبدع

هوية المبدع تنطوي على جانب يصبح مع الأيام في حكم الهوية العفوية، مع أنه ثمرة من ثمرات سيرته الذاتية في عالم الإبداع.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/06/28، العدد: 10320، ص(14)]

يوجد في كل وعي بالهوية جانب غير موعى به غير أنه فاعل، لأنه سرعان ما يُستدعى إلى ساحة الفعل دون أن يدري صاحبه، أو أنه يظهر دون إرادة أو قصد، والتربية هي أحد أهم العوامل في خلق هوية كهذه.

إن هوية المبدع تنطوي على جانب من الهوية يصبح مع الأيام في حكم الهوية العفوية، مع أنه ثمرة من ثمرات سيرته الذاتية في عالم الإبداع؛ فلقد ربّى نفسه على صحبة الراحلين من المبدعين وآثارهم، حتى صاروا عالم هويته المتكوَّن، وغدت درجة القرابة معهم، بمعزل عن الاختلاف، قوية إلى الحد الذي يمنح المبدع الشعور بالانتماء إلى عالمهم. وتأسيسا على ذلك فإن للمبدع هوية مختلفة عن هويات الآخرين، أو قل بأن شعوره بالانتماء أكثر غنى وعمقا واتساعا.

حتى الهوية الوطنية لا تنفصل عند المبدع عن انتمائه إلى أصحاب الخلق الفني والأدبي والفلسفي، حيث تكون هُوية الشاعر الوطنية والقومية قد مرت بالانتساب إلى نخبة الشعراء الذين أسسوا لذوقه الشعري وأسهموا في انطلاقته الإبداعية. فأيّ شاعر ذاك الذي لا يجد هويته في النابغة وعمر بن أبي ربيعة وأبي الطيب والمعري والبوصيري وشوقي وبدوي الجبل وعمر أبي ريشة وهكذا؟ وإذا كان الشاعر ممن يطلعون على آداب الشعوب الأخرى أو البعض منها عن طريق الترجمة أو بحكم معرفته للغة أجنبية، فإن هويته تصبح أكثر ثراء ويتكوّن لديه شعور أرحب بالانتماء، وقس على ذلك هوية الروائي وهوية الفنان التشكيلي.

ويظهر وضوح الفكرة التي نحاول التدليل عليها أكثر في ما يظهر على هوية المبدع الفكرية- الفلسفية، وآية ذلك أن المبدع الفلسفي أو مبدع الأفكار لديه شعور أقوى بالانتماء إلى عالمه بسبب ما يولده هذا الانتماء من نمط سلوك وقرابة روحية شديدة، فهوية الجابري مثلا لا تنفصل إطلاقا عن ابن رشد وابن خلدون وابن حزم والشاطبي وماركس وغرامشي وفوكو، وهؤلاء جميعا حاضرون بوصفهم مكونات لهوية الجابري، فضلا عن آخرين من الشرق والغرب.

والحق أن تجربة الرحلة التي قمت بها إلى باريس ولّدت لديّ إحساسا شديدا بمعنى الهوية الفكرية؛ لقد كان ديكارت وباسكال وروسو وديدرو وفولتير وبرغسون وسارتر وفوكو ودريدا ودولوز والعشرات من المفكرين غيرهم حاضرين معي وفي روحي وأنا أتجول في المدينة. لقد كنت أشعر بخطى جان هوبليت وأندريه لالاند في أروقة السوربون، وكان بودّي أن أزور البيوت التي سكن فيها الفيلسوفان الروسيان المهاجران كوجييف وبردياييف.

المدينة التي أزورها للمرة الأولى لم أشعر بالغربة فيها، بل على العكس شعرت بالانتماء إلى فضائها الفلسفي والفني؛ لقد كنت وأنا أشرب القهوة في المقهى الذي كان يرتاده سارتر أشعر بوجوده، وأكلت طبق همنغواي في المطعم الأحب إلى إرنست همنغواي، وأخذت صورة مع روسو، وأخرى مع أوغست كونت وثالثة ورابعة مع…

وما إن رأيت برج الباستيل الذي بني من أحجار سجن الباستيل حتى انتابني شعور بالفرح، وتساءلت في سري كم من أبراج سيبنيها السوري في الساحات من أحجار سجون الطغمة الحاكمة؟

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر