الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الكاتب السعودي علي سعيد: الربيع العربي أفسد الأدب

  • تمثل الحوارات الأدبية فرصة يقدمها المحاور والكاتب للقارئ والمتلقي للخوض في مناطق مجهولة ربما هي من أدب الكاتب وتفاصيل حياته ومحفزات كتاباته أو ما نصطلح عليه بـ “المطبخ الداخلي” لما يكتبه. لكن لنا أن نتساءل عن العلاقة الطريفة التي تخلق بين الكاتب من جهة والمحاور من جهة أخرى، هذا المسلّح بأسئلة يسعى من خلالها إلى سبر أغوار الكاتب الخاصة وكشفها. “العرب” التقت الصحافي والكاتب السعودي الذي اشتهر بحواراته الأدبية العميقة علي سعيد. وكان لنا معه حديث حول الحوار الأدبي.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/06/28، العدد: 10320، ص(15)]

السياسة تتبدل بينما المعرفة الفكرية والثقافية هي الباقية

“قوة الصحافي لا تقوم على حقه في طرح السؤال بل على حقه في المطالبة بالجواب”، هكذا افتتح الكاتب السعودي علي سعيد حواراته في “الحقيبة الجلدية” بمقولة ميلان كونديرا التي تفترض أن الصحافة قائمة على ذكاء الصحافي في الحوار لا في ابتكار الأسئلة فقط، إنها حق قائم على جدلية السؤال والإجابة بين خصمين صديقين على طاولة واحدة، فحين لا يخضع السؤال لقانون التساؤل فليس على الأجوبة أن تكون خاضعة لقانون الإجابة.

يحاور علي سعيد في كتابه “الحقيبة الجلدية”، الصادر عن دار أثر السعودية هذا العام، عددا من أهم الكتاب العرب والعالميين مثل: ألبيرتو مانغويل ومحمد أركون وأدونيس ونصر حامد أبوزيد وأحلام مستغانمي وقاسم حداد وباسم حمد وعلي بدر وسهيل زكّار وأحمد السعداوي وغسان مسعود وأميمة الخليل وخيري شلبي. لا لكي يعود بأحاديث خاصة معهم فحسب، بل لكي ينفض الأجوبة الكلاسيكية المعلّبة بأجوبة عميقة لها دلالتها الجديدة في تجاربهم وتجارب القرّاء.

قصص حية

يحدّثنا علي سعيد عن منهجيته التي بنى عليها كتابه، ولماذا اختار -من بين العشرات من الحوارات التي أجراها في الصحافة المحلية والعربية- أن يقدّم هذه الأسماء الثقافية والفكرية الجدلية تحديداً.

يقول سعيد “لدي العديد من الحوارات التي أعتز بها مع أدباء وكتاب، والكثير منهم أصدقاء مقربون، لكن تخليت عنها في مشروع “الحقيبة الجلدية” من أجل أن يأتي الكتاب منسجما ضمن المقترح البنائي الذي وضعته وقررت العمل عليه منذ البداية، فشخصيات الكتاب وأحاديثهم ليست مسجلة عن بعد، بل هي قصص تولدت من لقاءات مباشرة أثمرت هذه التجربة. ورغم أنني استبعدت أحاديث وشخصيات أدبية وفكرية عن الكتاب إلا أنني أعتز كثيرا بتلك الحوارات وقد أجد للعديد منها يوما، مبررا فنيا لتنشر في كتاب. كان لدي وعي كامل بأن المسألة ليست فقط جمع حوارات كما كان أصدقائي يلحون علي منذ سنوات. ثمة الكثير من كتب الحوارات التقليدية، بصيغة (السؤال والجواب) العموديين؛ تلك التي تنسخ وتلصق من الصحافة، وهو الذي كنت أشعر خلال الاطلاع عليه بالملل ولا أريد أن أنشر كتابا ينقل ذات الملل. من هنا ألغيت الصيغة التقليدية للسؤال والجواب واخترت السرد المتدفق وما يتطلب من وجود أحداث ودراما وحكايات مُحركة للسرد تتوفر فقط في تلك المجموعة من الحوارات المسرودة التي نشرتها وليس البقية. إذاً كان المبرر فنيا بحتا”.

قبل وبعد الربيع

شخصيات الكتاب وأحاديثهم ليست مسجلة عن بعد، بل هي قصص تولدت من لقاءات مباشرة أثمرت هذه التجربة

اختار علي سعيد من بين العديد من الحوارات التي أجراها بين الأعوام 2005 -2015 فقط تلك الأحاديث التي تولّدت من روح الحكايا، والتي كان محركها الأول الحدث أو الواقعة أو الدراما. هذا العقد الزمني الإشكالي الذي مرّت عليه أحداث الربيع العربي جعلنا نتساءل مع الكاتب السعودي علي سعيد عن الأفكار والرؤى التي تداولها أبطال كتابه وعما إذا كانت ستصمد بعد مآلات الربيع العربي أم لا.

يجيب ضيفنا “لنتفق على أن القارئ هو من يقرر إن كانت ستصمد أم لا. ومن خلال متابعتي لردود القراء وتعليقاتهم وجدت تفاعلا كبيرا مع تلك الأحاديث المقصودة (محمد أركون، نصر حامد أبوزيد، باسم حمد، أدونيس..). أما بالنسبة إلي فقد نشرتها بسبب مبررين: الأول أن هذه الحوارات جاءت في وعاء قصصي يستمد من الأدب الحياة الأطول كونها تذهب إلى ما وراء الحوار والحديث بمشهدية تصور كيف تشكلت تلك القصص والحوارات. والمبرر الآخر هو أن الحوارات المتضمنة في قصص الكتاب أُجريت في السنوات القليلة التي سبقت “الربيع العربي” والذي يعتبر تحولاً تاريخياً كبيراً في المنطقة، ما يعني أن الحوارات التي أجريت مع كل من محمد أركون وأدونيس في 2007، وقبلهما مع نصر حامد أبوزيد في 2005، ستكون موجهة ضد مشكلات في الأغلب ما نزال نعيشها في المجتمعات العربية”.

ويضيف “في الكتاب أمثلة كثيرة عن علاقة الحوارات التي أجريت ما قبل الربيع العربي بهذا الربيع؛ مثلا صرخة محمد أركون وهو يقول “المؤمنون الدغمائيون يجرحون ويقتلون، وليس فقط يجرحون، بل يقتلون الطفل”، كانت ضد ظاهرة “القتل العقائدي المقدس”، والتي استشرت بعد “الربيع العربي” فضلا عن أن الحديث شمل موضوعات تمس الإنسان العربي اليوم كنشر ثقافة الأنسنة في مجتمعات تفتك بها الطائفية، إلى جانب الحديث عن العلمانية التي تم تشويهها زورا لتصبح مرادفة للإلحاد”.

حوارات سردية مع أهم الكتاب العرب والعالميين

يتابع علي سعيد “سنجد كذلك تفكيكا شاملا لتناقضات الخطاب الديني التقليدي وأثره في الحياة الثقافية والاجتماعية العربية مع نصر حامد أبوزيد الذي يقول ‘كلمة نقد، يفهمها الناس بفعل التزييف على أنها نقض، بمعنى أنها تدمير، فعندما تقول نقد الفكر الديني، كأنك تريد تدمير الفكر الديني، أي تريد تدمير الدين‘. هناك أمثلة عديدة كلها تؤكد حيوية الموضوعات التي طرحتها تلك الأحاديث، والسبب أنها فكرية ثقافية بالدرجة الأولى تمس الوعي، قبل أن تتعلق بالأحداث والمواقف السياسية كما عند أدونيس الذي تحدث باكراً عن موقفه النقدي من النظام السوري، في (الكتاب)”.

يرى سعيد بأن “المشتغل بقضايا الأدب والثقافة وليس الناشط السياسي يعيش خيبة كبيرة بسبب ما آل إليه الحال من خراب. فهذا المثقف استيقظ فجأة على انفجار كبير، وحرب دعائية وإعلامية وسياسية واصطفاف قوي بين طرفين وأكثر. وهو الذي بالأمس كان يعيش بسلام على قراءة كتب كونديرا ولوركا ومحمود درويش وفي أحسن الأحوال محمد الماغوط وأشعار أحمد مطر وآخرين. تورط الكثيرون في السياسة حد الاستغلال في حرب دعائية لا تفوت صوتا، لتستغله، مثقفاً كان أم أي صوت آخر. والنتيجة هي الخديعة لأن الذين يحركون الأحداث هم القوى الدولية وليس المثقف الذي توهم أن بمقدوره أن يكون عضوياً وفق الوصفة الغرامشية”.

ويتابع “أما على مستوى التعاطي مع الأدب فإن الربيع العربي أفسد قراءة الأدب. فقد تلوثت الحياة الثقافية بسموم السياسة إلى أبعد درجة بسبب الاصطفاف غير المسبوق في الثقافة والمجتمع الثقافي العربي. وتسيّست الكتابة أيضا، لتصل إلى حد المباشرة الفجة. وهنا أظن أن على الكاتب ترك مسافة ما، بينه وبين تلك الملوثات التي تدفع لفرض وجهة النظر السياسية على هذا الكاتب أو ذاك المفكر أو الشاعر. وهو ما حاولت إلى حد كبير أن أقوم به، لإدراكي أن السياسة تتبدل، بينما المعرفة الفكرية والثقافية هي الباقية”.

الجدير بالذكر أن علي سعيد، من مواليد المنطقة الشرقية بالسعودية عام 1979، درس الصحافة وتخرج من كلية الإعلام بجامعة دمشق. ثم بدأ العمل الصحافي مراسلاً ثقافياً من دمشق عام 2003، ناشراً العديد من المقالات والحوارات الفكرية والثقافية، ليكون بعد تجربة مميزة واحدا من أهم المحاورين العرب.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر