الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

شهوة القتل.. تبدأ بالمرتد ولا تنتهي بتارك الصلاة

للشيخ الطيب أن يثير من القضايا ما يشاء، وإن كان المنصف يرى أن قضية الردة آخر ما يجب أن يثار في مصر الآن؛ فهناك قضايا أكثر إلحاحا وتشابكا مع 'ما ينفع الناس'، ويمس حقوقهم الآدمية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/06/28، العدد: 10320، ص(9)]

بعد قليل من تعيينه شيخا للأزهر أجاب أحمد الطيب عن سؤال تلفزيوني خاص بقضية الردة بفتوى شجاعة موجزة لا تحتمل تأويلات، هادئة وإن لم تعدم هجوما يجيده متنطعون يتعطشون للدماء. قال “لا أؤمن بالردة، ولا أؤمن بهذا الكلام إطلاقا”.

جرى ذلك عام 2010، والرجل القادم من فضاء التصوف ورحابة الفلسفة، قد توج بلقب “الإمام الأكبر”، وطغت الحفاوة به على كونه عضوا بالمكتب السياسي للحزب الوطني، حزب حسني مبارك، وأمانة السياسات التي حكم منها جمال مبارك مصر، بفظاظة وفساد لا يخفيان على أحد. وأحسن الشيخ الطيب بتقديم استقالته إلى مبارك، وإن استمر بعض الوفاء حتى اندلاع 25 يناير 2011، وفاء أو عدم توفيق في الرؤية، ورغم تبين خيط الثورة الأبيض من الأسود، وعدالة قضية الشعب الطامح للعدل والحرية، فإن رجل الفلسفة أقحم الدين في شأن خلافي، يُحكم عليه وفقا للخطأ والصواب، لا بمنظور الحلال والحرام، بعد خطاب عاطفي لمبارك أول فبراير 2011، قال “الإمام الأكبر” إن استمرار المظاهرات “دعوة من أجل الفوضى. مظاهرة من أجل الفوضى.. اليوم حرام وجودك في المظاهرة.. المظاهرة تعد خروجا على الدولة والنظام”. وبعد خلع مبارك، أشاد بفضل شباب 25 يناير، آملا في بدء صفحة ديمقراطية.

نصدق الرجل الطيب، لأنه لا يحركه هوى، كما أنه نظيف اليد واللسان، ويحظى باحترام كبير. وقد استمعت إليه، في ديسمبر 2008، وهو رئيس لجامعة الأزهر، يلقي كلمة افتتاح مؤتمر دولي عنوانه “ابن عربي في مصر: ملتقى الشرق والغرب”، بمشاركة العشرات من الباحثين العرب والأجانب. استعار الرجل روح محي الدين بن عربي، فبدا قلقا على مصير الإنسان الذي دفعته “الانتكاسات العالمية.. إلى السقوط الحضاري”، وأصبح أسيرا لقيم استهلاكية، كما صار “الموت والخراب والدمار سلعة تباع وتشترى من دماء الفقراء، وتقتات عليها دول تزعم أنها حامية حقوق الإنسان”، وقرأ من مأثورات ابن عربي “لقد صار قلبي قابلا كل صورة، فمرعى لغزلان ودير لرهبان. وبيت لأوثان وكعبة طائف، وألواح توراة ومصحف قرآن. أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه، فالحب ديني وإيماني”، وقدّر أن العالم بحاجة إلى إحياء فلسفة ابن عربي، فلسفة الحب والإخاء.

للشيخ الطيب أن يثير من القضايا ما يشاء، وإن كان المنصف يرى أن قضية الردة آخر ما يجب أن يثار في مصر الآن؛ فهناك قضايا أكثر إلحاحا واتشابكا مع “ما ينفع الناس”، ويمس حقوقهم الآدمية، من انتهاك الخصوصية، والاعتقال بالشبهات مفتوح السقف، إلى تعذيب في مراكز الشرطة يفضي إلى موت مجاني يتم تبريره تحت لافتة “أخطاء فردية”. وسط مظاهر الاستبداد لن تشغل قضية الردة أحدا، فلم تشهد القاهرة مظاهرة يعلن منظموها والمشاركون فيها ارتدادهم عن الإسلام أو المسيحية، ولم ينظم مؤتمر أو ندوة أو محاضرة ترشد المتشككين في الدين للطريق القويم إلى الردة، وليس في إثارتها الآن إلا تعمد للإلهاء، وشحن الطيبين بحماسة مفتعلة دفاعا عن الدين، والإيحاء إليهم بأنه مهدد، فتمتد عدوى شهوة القتل من “دعاة” سلفيين تكفيريين إلى آحاد الناس، بعد تسليحهم بأدلة ويقين يعز على المجتهدين الادعاء بمثله.

فما الذي دعا “الإمام الأكبر”، إلى إطلاق فتوى رمضانية تلصق بالمرتد تهمة ارتكاب جريمة الخيانة العظمى؟

رغم بث وكالة الأنباء الحكومية المصرية، لبيان الأزهر نقلا عن شيخه، فإنني لم أصدق أن يكون صاحب الفتوى هو نفسه أستاذ للفلسفة تحدث عن التسامح عام 2008 في مؤتمر ابن عربي، ولا صاحب فتوى قاطعة عام 2010 أثارت مهووسا اسمه أبوإسحق الحويني، مكانه سرير في مستشفى للعلاج النفسي لا المنابر وفضائيات الفتنة. رد الحويني عام 2010 على ما رآه تساهلا من شيخ الأزهر قائلا إن نصر حامد أبوزيد “كافر بالله.. الذي كفره علماء الأزهر جهارا نهارا”، ولأن المجال يخص الكفار فقد اعتبر المسيحيين “أسعد أقلية في العالم هم النصارى الذين يعيشون في مصر”. لا أظن الأزهر أو الإخوان وغيرهم من الجماعات السلفية ردت على هذا اللغو الذي ينزع عن المسيحيين صفة “المواطنة”، فهم ليسوا أقلية إلا بالمعنى العددي، وليسوا وافدين “يعيشون في مصر”، ولكنهم مواطنون.

مصدر الشكوك في أن يكون الشيخ الطيب قد أثار قضية الردة أن في السجون المصرية أبرياء، لم تصدر بشأن البعض منهم أحكام قضائية منذ سنين أو شهور، والبعض تهمته الادعاء بأن جزيرتين مصريتين هما أرض مصرية. لا أستبعد أن يكون بين هؤلاء وهؤلاء أقارب وجيران للشيخ الطيب، الإمام الأكبر، الذي سيسارع إلى إنقاذهم من “كسر النفس”، ولو بكلمة حق سبقه إلى مثلها شيخ الأزهر عبدالمجيد سليم إذ فقد منصبه لقوله “تقتير هنا وإسراف هناك”، عن بذخ الملك فاروق في سياحته بالمنتجعات الأوروبية، فعزله الملك. ولكني وجدت الكلام، المنقول من برنامجه “الإمام الطيب” الذي يذاع يوميا طوال رمضان على التلفزيون المصري وقنوات سي بي سي إكسترا، وإم بي سي مصر، وتلفزيون أبوظبي وقنوات فضائية أخرى، منشورا في بوابة الأزهر الإلكترونية بعنوان “الإمام الأكبر: لا يخرج من دين الفطرة الإسلام إلا أعمى البصر والبصيرة”، أما التفاصيل فتتسع للشيطان الجاهز بأدوات القتل.

قال الرجل كلاما كثيرا يسهل على أمثال قتلة فرج فودة أن ينتقوا منه ما يحملهم على القتل، مادام “جمهور الفقهاء وأئمة المذاهب الأربعة يعتبرون الردة جريمة، ويتفقون على أن المرتد يستتاب في مدة مختلف فيها وإلا يقتل”. ما فائدة الاستتابة تحت ظلال سيف؟ ألا تكون إكراها صريحا؟ كيف تستقيم حرية الاختيار بين العودة إلى الدين أو القتل؟ ماذا يضير الإسلام لو خرج منه عشرة ملايين من حقهم ألا يكرهوا على بقائهم؟ وكيف نفهم آية “إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرا، لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا”؟ إذا كان الكفر بعد إسلام يوجب القتل فكيف نجوا منه ثلاث مرات ثم ازدادوا كفرا؟ ألا يكفي هذا النص على عدم وجود عقوبة دنيوية لإغلاق باب التسلل إلى الدم عبر حديث أيا كان سنده أو صحته؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر