السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

فاز السباكون

سباكو بريطانيا وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة منافسين بمناسبة الاتحاد الأوروبي فتحركت فيهم روح وطنية ملكت عليهم أنفسهم. مثل أي نذل ترجموا الخوف من المنافسة النزيهة إلى مشاعر وطنية.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/06/28، العدد: 10320، ص(24)]

سأتحدث عن السباكين لأنفس عن أحقادي بمناسبة فوزهم المدوي يوم 23 يونيو. لا أقصد السباكين في بلادنا فهم أناس كادحون ويتقاضون أجورا معقولة ولا يبتزون. السباكون في إنكلترا أغنياء وأسعارهم ابتزاز في ابتزاز. وصل بهم الفجور إلى حد أني استقدمت سباكا قبل عشر سنوات لم يجد الوقت ليعود إلي لاستكمال قبض أجرته.

ما عنده وقت ليأتي لاستلام 250 دولارا وبيتي يبعد عن مقره خمسة كيلومترات. طاردته بالمكالمات الهاتفية وكان يتملص ويسوّف. ثم صارحني بموقفه قائلا “وقتي لا يسمح ولك أن تحتفظ بالمبلغ لنفسك”.

لا أدري شيئا عن الأوضاع المالية للقراء، لكني مستعد لأن أسافر مئة كيلومتر لأقبض 250 دولارا. هذا كلام حصل قبل عشر سنوات في ذروة فجور السباكين الذي استعر ولم تخمد ناره حتى بدء وفود البولنديين إلى بريطانيا ومنافسة سباكيها وبنّائيها ومصلحي التبليط وغير ذلك.

السباكة في بريطانيا ليست مهنة بقدر ما هي طريقة تفكير وضرب من السلوك. هي مدرسة أخلاقية منفصلة. كيف يقرر الإنسان أن يكون سباكا. هذا سؤال وجودي لا يقل إلغازا عن رغبة الإنسان في أن يصبح طبيب أسنان ليعبث في أفواه البشر الذين لم يؤذوه يوما.

شخصيا أنسب إلى السباكين المصائب الكبرى. لا أملك توثيقا علميا ولكن باستخدام الحدس والغريزة أظن أنهم وراء اندلاع الحرب العالمية الثانية واغتيال ولي عهد النمسا والتسونامي وضياع فلسطين.

في أطراف مدينتنا يقع دكان يجتمع فيه السباكون. الدكان يبيع مواسير وأنابيب وأشياء أخرى ما أُنزل بها من سلطان. أدخله أحيانا فيسكتون مثل المتآمرين. أسمع لغطا من الخارج ولكن ما إن أدخل حتى يسكنون ويتخاطبون بالعيون. أظن الدكان محفلهم مثل الماسونيين وفرسان الهيكل. كلهم تشي وجوههم بالثراء والفجاجة.

هم بشر يؤمنون بأن الذهاب إلى البحر الكاريبي في إجازة هو أمر يعد من أبسط حقوق الإنسان. لا يشبهون السباكين في بلادنا الذين لا يريدون سوى سقف فوق رؤوسهم وثلاث وجبات يوميا لهم ولأطفالهم.

سباكو بريطانيا وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة منافسين بمناسبة الاتحاد الأوروبي فتحركت فيهم روح وطنية ملكت عليهم أنفسهم. مثل أي نذل ترجموا الخوف من المنافسة النزيهة إلى مشاعر وطنية. انتبه لهذا شخص رائع منذ قرون، اسمه صاموئيل جونسون. قال جونسون في أواخر القرن الثامن عشر، أو بدايات التاسع عشر، “الوطنية آخر ملاذ للنذل”.

وهكذا فُسرت المشاعر الخسيسة على أنها مشاعر رائعة تذوب في حب الوطن وتدافع عن حياضه بينما هي نذالة وخوف من المنافسة. وهكذا خرجت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي وسيُطرد السباكون وبناؤو السقوف الوافدون الطيبون وستعود شرور الأوغاد لا يتحداها بولندي ولا تشيكي.

قد تقولون” ولكن ليس من الممكن أن يكون نصف سكان بريطانيا سباكين”. طبعا لا، لكن السباكة كما قلت ليست مهنة. هي أسلوب وسلوك وذهنية وخصال. السباك كامن في الداخل ولو كان اسمه من الخارج نايجل فاراج.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر