الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

سلطة وبلاغة

البليغ لن يحتاج إلى صاحب لسان أو بيان، هو فوق الإشارة والاستشارة، كذلك كان شأن المستبدين المفوهين من صدام حسين إلى عبدالناصر وهتلر.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/06/29، العدد: 10321، ص(15)]

حين أصدر رجيس دوبري كتاب “الدولة الجذابة” لم يكن في واقع الأمر يبحث عن تفسير لماهية السلطة، بقدر ما كان يسعى إلى تحليل مصادر قوتها في التأثير. فهو الخارج لتوه من ديوان رئيس الجمهورية كان يسعى إلى الكشف عن سبل الفعالية الرمزية لآليات التحكم، وكيف أن تعابير بسيطة أوصور أومجرد مفردات قادرة دائما على قلب المعنى وإهدار السياقات وتزييف الحقائق، فالخطاب هنا أداة موضوعة لتكون تحت تصرف الحاكم، يوجهها حسب ما تمليه المقاصد والأهواء والمنافع، بخلاف المعتقد أو الفكر المحمول، بما هو معنى رمزي محايد، فهو ينتمي إلى تراث عصي على الامتلاك، وليس بمكنة الأفراد ادعاء حيازته.

بطبيعة الحال خلقت البلاطات لتضم أهل البيان ممن يحكمون صوغ الإرادات السياسية، وتحويلها إلى سرديات وصور ومفردات جذابة، هكذا دخل ابن خلدون وابن رشد وابن الخطيب إلى الدواوين السلطانية ليكونوا لسان السلطان وقلمه المضمر، في المكاره والمناشط، وهكذا أيضا دخل أندري مالرو ورجيس دوبري ودومينيك دوفيليبان لمكاتب رؤساء الجمهورية الفرنسية، ليلقنوا الحاكم المنتخب حرفة تصريف السلطة، وليصنعوا مجال ذكائه وقواعد مهاراته.

لكن صوغ إرادة الحاكم غالبا ما تفضي بصانعي السرديات والصور إلى التورط في السلطة، و تورث رغبة في إنتاج الإرادة لا صياغتها، لهذا سرعان ما يتمحل الفقيه والشاعر والمؤرخ والروائي الأسباب الظاهرة والخفية للخروج من البلاغة إلى السلطة، ومن الإشارة إلى الوزارة، ففي داخل أي مثقف يقبع حلم سلطة مكبوت، وفي أعماق أي أمير يكمن كاتب مقموع، وشاعر مشتهى، وسارد يتمحل الأسباب للحكي عن الماضي والمضارع والأمر… كاتب يحتال على اللغة في البدء، ثم يستعين بصاحب اللسان والبيان، وفي النهاية يستغني عنها ويهينها، وكأنما من اللازم أن ينشأ مع أي تسلط سياسي طغيان لغوي، وبإزاء أي خصاصة سلطوية بحبوحة بلاغية. ألم يكن القذافي بارعا في صوغ الكلمات الخارقة لقواعد التفسير والترجمة والاشتقاق، كان المعنى السياسي لديه أعلى من اللغة وقائدا لها.

في مقابل هذا التجاوز الذي حول عددا من مجانين الحكم إلى مخترقين لأنساق البلاغة ومفككين لقواعد التخاطب، مثّل التلبّك والعيّ صفة تسعف في كبح نوازع التسلط والاستبداد، فالبليغ لن يحتاج إلى صاحب لسان أو بيان، هو فوق الإشارة والاستشارة، كذلك كان شأن المستبدين المفوهين من صدام حسين إلى عبدالناصر وهتلر. بينما كان المعارضون، المحرومون من الإرادة السياسية، والمعتقلون والمنفيون، متصالحين مع اللغة وحاذقين في تطريز الحلم، (حلم امتلاك السلطة) شعرا ونثرا، ورسما بالألوان والضياء.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر