السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

تخاطر

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/06/29، العدد: 10321، ص(21)]

اتفق العلماء على تقسيم حياة الإنسان إلى عالم حسي يدعمه الإدراك بالبصر والسمع والذوق واللمس والشم.. وإلى عالم روحي يطلق عليه العلماء اللاوعي.. وهو الذي تتحكم فيه آليات ما زالت غامضة.

جميل هو التخاطر.. وعلى الرغم من أننا نسمع ونقرأ عنه الكثير إلا أننا من النادر جداً أن نلمس وجوده بشكل حقيقي ومؤكّد في حياتنا اليومية..

وقد لا يتعدى ما نلمسه منه سوى حوادث عابرة مثل تذكر أحدٍ ما فيتصل.. أو التفكير بشيء فيحدث.. أو أن نحلم حلماً يطلق عليه المختصون أحياناً تسمية “رؤيا”.. قد تنبئنا برؤية شخص أو بحدوث شيء.. وقد يفسر المحللون كل تلك الظواهر بأنها استدعاء أكثر من كونها استقراء.. أما فكرة التخاطر أو الحوار الذاتي مع البشر (الأحياء منهم أو الأموات) فهو أمر مازال غامضاً وغير ملموس في حياتنا اليومية.. بل لقد زرعت التقاليد الاجتماعية فينا فكرة أن ننظر إلى من يمارس التخاطر على أنه شخص غير سوي أو معتوه أو في أقل القليل مريض نفسي يعاني من هلوسات تجعله يرى أشخاصاً لا يراهم سواه.. وقد يغالي البعض فيصفه بأنه ملبوس بجن أو عفريت أو شيطان!!

ومما لا شك فيه أن الكثير منا يتمنى أن تكون له تلك القدرة الخارقة في التخاطر مع الأحياء أو الأموات.. مثلما تثيرنا دائماً أفلام الخيال العلمي التي تقدم لنا أبطالا خارقين يتخاطرون بمشاعرهم وأفكارهم مع الآخرين..

أما مفهوم التخاطر الذي عرف أواخر القرن التاسع عشر والذي اصطلح عليه بـ”التليباثي” (وهي كلمة من أصل يوناني تعني التأثير عن بعد).. فإنه يشير إلى قدرة الإنسان على التواصل ونقل المعلومات من عقله إلى عقل إنسان آخر بثاً واستقبالاً.. ولم يكن العلماء قبل ذلك مهتمين بالخوض في دراسات معمقة لقدرات المخ.. ولكن بعد التطورات العلمية الكبيرة في علوم الفيزياء تم تطبيق بعض هذه العلوم في محاولة لفهم الظواهر السايكولوجية الغريبة.. ومن ثم قامت الكثير من الدراسات بمحاولات جادة لسبر أغوار هذه الظاهرة النفسية التي لا تزال موضع جدل علمي.. وقد ذهب المشككون بها إلى القول بأنها لم تثبت بنتائج مختبرية ناجحة عند تجربتها وتطبيقها.. على الرغم من تطور تقنيات التصوير العصبي الذي مكن العلماء من قراءة الأفكار داخل المخ..

وحتى الآن لم يضع العلماء ظاهرة التخاطر موضعا جديا حقيقيا فهي لا تعد أكثر من كونها واحدة من مظاهر الحاسة السادسة أو الإدراك فوق الحسي.. ولكن لا ينفي العلماء حقيقة أن لكل منا قدرات مدفونة تتجلى أحياناً عند اقتراب الخطر.. وتتنامى بالرياضات الروحية..

فقد اتفق العلماء على تقسيم حياة الإنسان إلى عالم حسي يدعمه الإدراك بالبصر والسمع والذوق واللمس والشم.. وإلى عالم روحي يطلق عليه العلماء اللاوعي.. وهو الذي تتحكم فيه آليات ما زالت غامضة يتخبط العلماء في فك رموزها مما يفتح الباب للدجل والشعوذة دون أي رادع علمي مثبت يدحضها..

ويبقى ثمة من يدرس ما يسمى بالسايكولوجية غير الطبيعية.. وبعض هؤلاء الناس يجزمون بأن ظاهرة التخاطر هي علمية صحيحة.. أما الذين ينفون هذه الظاهرة فيعتقدون بأن الإيمان بها هو نتيجة أكاذيب أو أوهام شخصية.. فإن هي إلا حوادث تفتقد الدليل العلمي..

وبعيدا عن العلم والدجل.. لي أن أعترف بأنني أعتنق وهماً جميلاً هو قدرتي على الإحساس بمن أحب.. ولا أجدر من الحب على تنمية كل الحواس..

صباحكم محبة..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر