الاربعاء 22 فبراير/شباط 2017، العدد: 10551

الاربعاء 22 فبراير/شباط 2017، العدد: 10551

إجازة رمضان

تتحول المؤسسات الحكومية والإدارات والمكاتب والورشات إلى مساحات مفتوحة لممارسة الكسل، فرمضان هو الشهر الأقل إنتاجا، والأكثر نوما في النهار وسهرا في الليل، وهو شهر الإجازة غير المعلنة.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/06/29، العدد: 10321، ص(24)]

الحكومات باتت تستعد لرمضان قبل أشهر من حلوله، بعد أن اقتنعت بأن هناك حالة استثنائية من الاستهلاك تتزامن مع الشهر الفضيل، فوزارات الداخلية تعد الخطط الأمنية لمواجهة التحديات الإرهابية، ووزارات التجارة والتموين تصب كل اهتماماتها على مائدة رمضان وما تحتاجه البطون من المأكول والمشروب وما ترنو إليه العيون من البضائع المحلية والمستوردة.

والمؤسسات الدينية تعد برامج خاصة لرمضان منها الندوات والمؤتمرات والمسابقات، ووزارات الثقافة تستقبل الشهر الكريم بالبرامج المتنوعة كالسهرات الفنية والملتقيات التراثية والندوات الشعرية، ووزارات الشؤون الاجتماعية والمنظمات والجمعيات الخيرية تجهّز أساطيلها تحت شعار "مساعدة الفقراء والمساكين وتقديم المعونة للعائلات المعوزة"، والأحزاب السياسية تستقبل الشهر الفضيل بتوزيع سلال السكر والزيت والرز والمعكرونة على الأحياء الفقيرة، وخصوصا إذا كانت على أبواب انتخابات، فالمهم بالنسبة إليها أن تحافظ على خزّانها الانتخابي وأن تضيف إليه أعدادا أخرى من الناخبين في ظل الانتهازية الديمقراطية.

ومحطات الإذاعة والتليفزيون تستعد بالبرامج والمسلسلات والمنوعات، حتى أن الشهر الكريم تحول إلى مهرجان سنوي للدراما التلفزيونية التي تتنافس القنوات الفضائية على بثها. وطوال العام صار الكتاب والمؤلفون والمخرجون والممثلون والممثلات والمنتجون والتقنيون والكومبارس مشغولين بمسلسلات رمضان، ما جعل بقية أشهر العام تكتفي بإعادة عرض المواد الرمضانية. وطبيعي أن تتزامن طفرة الدراما الرمضانية مع طفرة الإعلانات التي يحتكر شهر الصيام ثلاثة أرباعها، وبدل أن نشاهد حلقة من مسلسل تتضمن فواصل إعلانية صرنا نرى مسلسلات من الإعلان تتضمن فواصل درامية.

كما أن الدعاة ورجال الدين يجدون في رمضان شهرا للعمل والكسب، فهم يقدمون برامج على موجات الإذاعات وعلى شاشات التلفزيون، وهم يلقون المحاضرات ويديرون الندوات ويحكّمون في المسابقات، ويتنقلون بين العواصم والمدن لنشر بركاتهم في المجالس والصالونات وفي المساجد والمهرجانات، وحتى المطربون والمطربات يغيّرون جلودهم ويتحولون إلى منشدين دينيين، أو إلى مؤدين لشارات المسلسلات، أو إلى ضحايا افتراضيين في برامج الكاميرا الخفية.

بالمقابل، تتحول المؤسسات الحكومية والإدارات والمكاتب والورشات إلى مساحات مفتوحة لممارسة الكسل، فرمضان هو الشهر الأقل إنتاجا، والأكثر نوما في النهار وسهرا في الليل، وهو شهر الإجازة غير المعلنة، تضمحلّ فيه ساعات الدوام الوظيفي وتتسع فيه ساعات الاسترخاء.

ماذا لو قررت الدول الإسلامية مجتمعة أن تجعل من شهر رمضان إجازة فعلية مدفوعة الأجر يمكن خصم أيامها من إجازات بقية العام؟ وحتى دون خصم، فإن بقاء الموظف أو العامل في بيته يكلّف الدولة أقلّ بكثير ممّا يكلفه استهلاك الطاقة داخل مواقع عمل لا عمل فيها.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

:: اختيارات المحرر